تركيا تتجه مرة أخرى نحو الانهيار الاقتصادي

كان من الطبيعي أن نتوقع من البنك المركزي التركي إعلان خفض آخر لسعر الفائدة، بعد أن شاهدناه يخفض سعر الفائدة القياسي بمقدار 1.275 نقطة أساس منذ يوليو، عندما أقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محافظه وعين غيره من أجل مقاومة التيسير النقدي.

كما هو متوقع في استطلاعات الرأي الاقتصادية، خفضت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي سعر الإقراض لمدة أسبوع واحد بمقدار 50 نقطة أساس إلى 10.75 في المئة.

قبل اتخاذ القرار، أعلن أردوغان أن سعر الفائدة يجب أن ينخفض إلى رقم في خانة الآحاد في النصف الثاني من العام، مضيفاً أن الوقت قد حان لتكثيف الاستثمارات في تركيا بعد تباطؤ التضخم. ودعا الشركات إلى تحمل مسؤولية الانتعاش الاقتصادي، قائلاً إن الحكومة قد فعلت بالفعل ما في وسعها من خلال دفع معدلات الإقراض إلى رقم في خانة الآحاد.

بطبيعة الحال، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 15 في المئة، من الضروري أن تعود تركيا إلى مسار نمو إيجابي. لكن استدامة هذا النمو يجب أن تكون أولوية أيضاً.

وفي حين يواصل البنك المركزي خفض أسعار الفائدة، فإن علامات الانتعاش الاقتصادي في تركيا واضحة من معظم المؤشرات الاقتصادية الرئيسة.

وقد ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة سنوية بلغت 8.6 في المئة في ديسمبر، ويعزى ذلك بشكل أساسي إلى الارتفاع في إنتاج السلع الرأسمالية. وشهد الحساب الجاري عجزاً بلغ 2.8 مليار دولار في نفس الشهر، مما يعني أن الفائض في العام انخفض إلى 1.67 مليار دولار. وفي حين أن الانكماش الاقتصادي خلال معظم عام 2019 أدى إلى فائض في الحساب الجاري، أثارت حتى مؤشرات الحيوية الصغيرة في الاقتصاد العودة إلى العجز، مدفوعة بارتفاع الواردات.

وتجاوز مؤشر مديري المشتريات في تركيا، والذي يقيس ظروف أعمال التصنيع، عتبة 50 نقطة لأول مرة منذ 22 شهراً، ووصل إلى 51.3 نقطة في يناير. وأي رقم أعلى من 50 نقطة يشير إلى نمو التصنيع. وبيانات التضخم أيضاً مثيرة للاهتمام. تسارع التضخم السنوي إلى 12.2 في المئة، مما يعكس زيادة في الأسعار في جميع فئات الاستهلاك تقريباً. علاوة على ذلك، كان هناك تسارع بالتوازي في التضخم الأساسي، مما يدل على أن الضغوط التضخمية ستشكل تحدياً أمام المضي قدماً.

وتكشف بيانات الميزانية لشهر يناير أيضاً عن التكاليف الحقيقية للنمو الاقتصادي في تركيا. توضح تفاصيل أرقام الميزانية أن الانتعاش الاقتصادي جاء نتيجة لزيادة الإنفاق العام، وليس زيادة الإنتاجية، أو التحول إلى الإنتاج الصناعي أو الخدمات من قطاع البناء أو حدوث قفزة في الصادرات.

وفائض الميزانية الشهرية لشهر يناير والفائض المصاحب له، باستثناء مدفوعات الفائدة على الديون، هما نتاج تدخل تجميلي، فالميزانية في حالة عجز عند حساب البيانات باستخدام طرق صندوق النقد الدولي. وقد ارتفع العجز في الميزانية، الذي بلغ 3.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي، وهو مستوى ضعف متوسط السنوات الخمس الماضية، إلى أربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الشهر الأول من عام 2020، وذلك وفقاً لمقياس صندوق النقد الدولي.

وبناءً على أوامر الحكومة، قام البنك المركزي التركي بتحويل احتياطياته الاحترازية إلى الميزانية في يناير. وعند طرح هذه الإيرادات لمرة واحدة، يصبح فائض الميزانية البالغ 21 مليار ليرة (3.4 مليار دولار) عجزاً بقيمة 15 مليار ليرة. وبلغ العجز الأولي المتراكم المحسوب وفقاً لتعريفات صندوق النقد الدولي، والذي نما بشكل مطرد منذ عام 2015، مستوى مخيفاً عند 128 مليار ليرة.

وعلى الرغم من أن السوق يتوقع نمواً اقتصادياً بنسبة 3.5 في المئة في عام 2020، إلا أن وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق أكد مجدداً يومياً على أن هدف النمو الحكومي البالغ خمسة في المئة سوف يتحقق. وهذا يعني أن السلطات ستحتاج إلى استخدام الإنفاق العام التوسعي والقروض الرخيصة التي تقدمها البنوك الحكومية لتحقيق هدفها. وعلى افتراض أن الحكومة تبقي الثقة الاقتصادية سليمة، فإنها ستدعو بعد ذلك إلى زيادة الاستثمارات لرؤية انخفاض معدل البطالة.

وفي الوقت الراهن، سيواصل المستثمرون الأجانب مغادرة السوق التركية بأعداد كبيرة. نتيجة لذلك، سوف يستمر العجز في الحساب الجاري في الاتساع بسبب الموارد المحلية الشحيحة في تركيا. ومن المحتمل أن يصل العجز إلى 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العام. سوف يصبح من الواضح بعد ذلك أن خطط الحكومة لتحقيق أهداف النمو الاقتصادي دون زيادة العجز في الحساب الجاري ليست سوى حلم بعيد المنال.

وفي حين يبتعد المستثمرون الأجانب عن السوق التركية ويظل التضخم في خانة العشرات عند حوالي 12 إلى 13 في المئة، إلا أن البنك المركزي سيواصل خفض سعر الفائدة لرقم في خانة الآحاد، وذلك تمشياً مع متطلبات أردوغان. أسعار الفائدة الحقيقية السلبية في تركيا ستجفف موارد العملة.

بالطبع، سوف يستغرق الأمر بعض الوقت حتى تفهم الإدارة الاقتصادية لماذا لا تؤدي أسعار الفائدة الحقيقية السلبية إلى زيادة الاستثمارات. كما ستتكثف سياسة تحويل موارد البنك المركزي إلى الخزانة. سيحاول البنك المركزي خفض أسعار الفائدة عن طريق شراء السندات الحكومية بأسعار فائدة متزايدة، في حين ستسعى البنوك الحكومية إلى تعزيز الليرة من خلال زيادة مبيعاتها من العملات الأجنبية بما يتجاوز المستوى الحالي البالغ 17 مليار دولار.

تعتمد سياسات الحكومة التجريبية على افتراض أن البنوك المركزية يجب أن تتبع سياسات توسعية بالنظر إلى توقعات تباطؤ النمو في الاقتصاد العالمي - فقد خفضت الصين توقعاتها للنمو إلى أربعة في المئة من ستة في المئة. لكن ما لا يدركه صناع السياسة هو أن رأس المال الأجنبي كان يفر من تركيا في حين تتمتع الأسواق الناشئة الأخرى بزيادة في السيولة.

كانت أزمة العملة التي واجهتها تركيا في عام 2018 نتيجة للنمو التضخمي المتراكم في الاقتصاد، وبعبارة أخرى كان نتاج السياسات التي خاطرت بتدهور المؤشرات الحيوية من أجل تحقيق نمو أعلى.

اليوم، أصبح الاقتصاد التركي أكثر عرضة لزيادة طفيفة في النمو الاقتصادي، ناهيك عن النمو التضخمي. فالمخاطر الاقتصادية تتراكم مرة أخرى.

نشأت أزمة 2018 بسبب عدم مبالاة مماثلة من جانب السلطات التركية، والتشديد النقدي لمجلس الاحتياطي الاتحادي والعناد السياسي. من المستحيل التنبؤ بتأثير تراكم المشكلات على الاقتصاد التركي، لكنك لست بحاجة إلى أن تكون عرافاً لرؤية تلك الأيام الصعبة التي تنتظرنا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/turkey-once-again-heading-period-economic-instability
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.