تركيا تتسلّل إلى موريتانيا عبر الهبات والمشاريع الاستثمارية

نواكشوط - تعمل تركيا على التسلّل إلى عدد من دول القارة السمراء من خلال تبنيها سياسة الانفتاح عليها، وفق ما تقترحه من مبدأ "رابح رابح"، بحيث توحي أنّ الدول الإفريقية أصبحت بشكل عام شريكا أساسيا لها، في الوقت الذي تقوم فيه بممارسة تغلغلها الهادئ في ثنايا مجتمعاتها، وإنشاء كيانات تابعة لها، سواء كان من خلال الجمعيات الإسلامية أو الشركات الاستثمارية.

وتستثمر تركيا في الدول الإفريقية التي تعاني أوضاعاً قاسية، وتمرّ بظروف اقتصادية صعبة، وتحتاج إلى المساعدة من أجل مجابهة التحديات الاقتصادية والبيئية التي تواجهها.

وتشهد العلاقات بين أنقرة ونواكشوط، تطورا مستمرا، عزّزته الزيارة التي قام بها الرئيس رجب طيب أردوغان لموريتانيا في 28 فبراير الماضي. وتوجت زيارة أردوغان لنواكشوط، بتوقيع عدة اتفاقيات بين البلدين في مجالات المعادن والصيد والاقتصاد البحري والسياحة، إضافة لمذكرة تفاهم في مجال الزراعة واتفاقية حول حماية وتعزيز الاستثمارات بين البلدين.

وأعرب أردوغان؛ الذي كان أوّل رئيس تركي يزور موريتانيا، حينها عن سعادته لزيارة موريتانيا التي وصفها بأنها بلد المليون شاعر، وقال بأنها دار العلماء وحافظي القرآن في الوقت نفسه، ولفت إلى أنه علم بأن حوالي نصف السكان يحفظون القرآن، وقال إنه يهنّئ الموريتانيين على ما وصفها بـ"العادة المهمة التي ورثناها من حضارتنا".

وتتوغّل تركيا في موريتانيا عبر الشركات التجارية تارة، ومن خلال وقف الديانة التركي تارة أخرى بذريعة تقديم مساعدات، أو حفر آبار للمياه هناك، واستغلال حاجة الناس وتشكيل جماعات تدين بالمعروف والولاء لها بالتراكم، ناهيك عن استغلال حاجة الناس للخدمات، وتهيئة البيئة المناسبة لبثّ أفكار الإسلام السياسي وفق السياسة التركية بينهم.  

وارتفع حجم التجارة بين تركيا وموريتانيا بمعدل 6 أضعاف، حيث سجل عام 2008 نحو 23 مليون دولار، وازداد ليصل إلى نحو 150 مليون دولار، وفق أرقام رسمية.

 ويحظى الموقع الجغرافي لموريتانيا التي تعرف رسمياً بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، بأهمية خاصة لتركيا، فموريتانيا تقع شمال غرب أفريقيا وعلى شاطئ المحيط الأطلسي، وتعدّ نقطة وصل بين شمال إفريقيا وجنوبها، ويعتنق جميع سكانها البالغ عددهم قرابة 3.5 مليون نسمة، الديانة الإسلامية، ما يجعلها مطمعاً لتركيا التي تعدّ إحدى أكبر الدول الراعية للإسلام السياسي في المنطقة، للتنشّط فيها وتشكيل تنظيمات موالية لها.

وساهم وقف الديانة التركي، في العام الماضي، في حفر 11 بئرا للمياه، بموريتانيا. وأعلن فرع الوقف في الولاية الواقعة شمال شرقي الأناضول، أن ذلك جاء بعد تجميع 700 ألف ليرة (حوالي 118 ألف دولار) من المتبرعين في المنطقة. وأوضح البيان، أن هذه المبادرة تندرج في إطار مشروع "قطرة ماء تهب الحياة"، الذي أطلقه وقف الديانة التركي في وقت سابق، ويهدف إلى توفير المياه الصالحة للشرب في المناطق النائية بالعالم.

وبحسب ما نقلت الأناضول عن مفتي الوقف في ريزة، إنهم "أطلقوا اسمي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونجم الدين أربكان، على بئرين من أصل 11 بئراً". وأضاف أن الآبار التي تم حفرها ستوفر المياه النقية لسكان المنطقة، لفترة طويلة من الزمن.

استغلّت تركيا ما تواجهه موريتانيا من تحديات بيئية
استغلّت تركيا ما تواجهه موريتانيا من تحديات بيئية

واستطاع وقف المعارف التركي خلال فترة وجيزة، التواصل مع 70 دولة حول العالم، وأسس ممثليات في 34 بلداً، وهو يمتلك حالياً، قرابة 100 مدرسة لمختلف المراحل التعليمية في 20 دولة، حيث يواصل أكثر من 10 آلاف طالب تحصيلهم العلمي في هذه المدارس. والدول التي يمتلك فيها وقف المعارف التركي ممثليات في إفريقيا هي: جيبوتي، تشاد، غابون، غامبيا، غينا، كونغو الديمقراطية، جمهورية الكونغو الشعبية، مالي، موريتانيا، النيجر، السنغال، سيراليون، الصومال، السودان، تنزانيا، تونس.

ولأن تركيا تعمل في موريتانيا وتتغلغل فيها من خلال الهبات والمساعدات، فإنّ الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أكّد حرص بلاده على العمل من أجل "تعزيز وتطوير علاقات الأخوة القائمة مع تركيا"، وساهم بتسليم مدارس تابعة للداعية فتح الله غولن للحكومة التركية، حيث تسلّم وقف المعارف التركي، في 18 سبتمبر 2017، رسمياً إدارة مدارس تابعة لمنظمة فتح الله غولن، التي كانت تنشط في موريتانيا.

وفي هذا السياق نقلت الأناضول عن السفير التركي لدى موريتانيا محمد بيلير، قبل أيام بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لمحاولة الانقلاب الفاشلة بتركيا، إن أنقرة مصممة على محاربة منظمة غولن الإرهابية، بالقانون والأخلاق والديمقراطية. وشدد السفير بيلير، على أن تركيا في هذه الأوقات الحرجة بحاجة لدعم وتشجيع أصدقائها. 

ولفت إلى أن تركيا ممتنة للغاية لنواكشوط لدعمها الكبير في عملية النقل الصعبة للمدارسة التابعة لمنظمة غولن في موريتانيا لمؤسسة معارف التركية. وأضاف محاولاً ترويع الموريتانيين من احتمالات تأثير منظمة غولن في المجتمع الموريتاني قائلاً: "ما حدث في تركيا منذ ثلاث سنوات، تذكير بما يمكن أن تفعله هذه المنظمة في موريتانيا، لأننا نعلم أن العديد من أعضاء هذه المنظمة لا يزالون موجودين فيها، أنصحكم أن تكونوا يقظين ضد أنشطتها".

استغلّت تركيا ما تواجهه موريتانيا من تحديات بيئية، وتقدّمت للمساعدة على اعتبار أن لديها خبرة في هذا المجال سيتم وضعها في إطار مشروع مكافحة التصحر في موريتانيا. وكانت قد موّلت في العام الماضي مشروعاً تحت هذا الشعار، ووقّع وزير البيئة والتنمية الموريتاني، آمدي كامرا، والممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية بنواكشوط، ماريو ساماجا، اتفاقية تنفيذ المشروع الذي تموّله تركيا.

ويهدف المشروع إلى تأهيل نحو 5 آلاف هكتار في كل من موريتانيا والسودان وإريتريا، بغلاف مالي يصل إلى 3 ملايين دولار، بتمويل من تركيا عن طريق وزارة الغابات وشؤون المياه، وتنفذه منطمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، في الفترة من 2018 إلى 2021، دون تفاصيل.

وأشاد وزير البيئة الموريتاني، في كلمة له بالمناسبة، بالتطور في العلاقات بين أنقرة ونواكشوط، في العديد من القطاعات. وأشار، وفق الأناضول، إلى أن موريتانيا وقعت في 2016، اتفاق تعاون مع تركيا يتعلق بمكافحة التصحر والتفتيش حول تدهور الأراضي والانجراف والتشجير وإعادة تأهيل المنظومات البيئية المتدهورة. ولفت كامرا، إلى أن التعاون بين البلدين في هذا المجال مثمر.

وقبل أشهر أجرى وفد من لجنة الطاقة والمعادن بالبرلمان التركي مباحثات في نواكشوط، مع رئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين (منظمة نقابية غير حكومية) محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد، تناولت سبل المساهمة في تعزيز علاقات البلدين.

وذكرت وكالة الأنباء الموريتانية الرسمية أن المباحثات تناولت، أيضا، “علاقات التعاون بين رجال الأعمال الموريتانيين والأتراك وسبل تعزيزها وتطويرها عبر تبادل الزيارات وإقامة الشراكات وكذا استكشاف آفاق التعاون بين البلدين. وأشاد الوفد البرلماني التركي بما وصف بحيوية رجال الأعمال الموريتانيين والقطاع الخاص الموريتاني، وكذا فرص الاستثمار فى موريتانيا.