تركيا تواجه عزلة جيوسياسية وانقساماً داخلياً وتحدياتٍ اقتصادية

واجهت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في الشهر الأول لها تحديًا يتمثل في كيفية فك شيفرات أهداف تركيا ورئيسها الزئبقي رجب طيب أردوغان، الذي كان قدم تهانيه لبايدن على انتخابه وأعرب عن إيمانه بالشراكة الأميركية التركية المستمرة منذ عقود. وتابع المسؤولون التابعون له بتقييمات إيجابية حول سياسة بايدن الخارجية وعرض معلقو وسائل الإعلام التركية مجالات التقارب المحتملة بشأن حلف شمال الأطلسي وروسيا وأماكن أخرى.

ومع ذلك اشتبكت إدارة بايدن مع تركيا بشأن معاملة أنقرة للطلاب المتظاهرين في جامعة البوسفور، وازداد التصعيد التركي بعد إدانة مشروطة من قبل الولايات المتحدة لحزب العمال الكردستاني، العدو اللدود لتركيا، لما وصفته أنقرة بإعدام 13 رهينة تركية، وانتقد أردوغان واشنطن بسبب هذه التصريحات، ولكن بعد أيام فقط هدأ وأعلن أن المصالح المشتركة تفوق أي خلافات ثنائية.

وفي هذا السياق قال بليز ميتستال، من المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي في واشنطن في مقطع صوتي: "لو كنت مسؤولاً عن بايدن أعمل في تركيا، لكنت تعرضت لجلطة في الأسابيع الأربعة التي قضيتها في المنصب". وأضاف إن بايدن من جهته تمسك بلهجة تتفق مع وعود حملته الانتخابية والسياسة الخارجية الأميركية للإدارات السابقة تجاه تركيا، وكان موقفه من مسائل مثل العقوبات على صناعة الدفاع التركية بسبب شراء أنقرة لأنظمة الدفاع الصاروخي الروسية الصنع إس-400 يتبع سياسات إدارة ترامب، مع الاختلاف الوحيد الملحوظ هو التعبير مخاوفه المتعلّقة بحقوق الإنسان.

وبحسب الباحث ميتستال فإنّ ما يميز بايدن حتى الآن عن ترامب هو نهجه غير الشخصي تجاه تركيا، وعلى عكس سلفه، لم يتحدث بايدن بعد مع أردوغان عبر الهاتف بعد شهر من استلامه منصبه، وذلك على الرغم من مبادرات الجانب التركي لتحقيق ذلك. وأكّد ميتستال إن هذا في حد ذاته جدير بالملاحظة وكفيل بنقل الرسالة عن البرود الذي يسم علاقتهما.

وقال ميتستال: "أعتقد أن حجب هذا الاتصال هو إشارة من إدارة بايدن حول الكيفية التي تريد بها هيكلة العلاقات، لكنني أعتقد أنها أيضًا إشارة مهمة لأردوغان". وأضاف: "من خلال إنكار ذلك، فإن هذا شكل آخر دقيق ولكنه حقيقي من النفوذ والمسافة التي تبنيها هذه الإدارة."

وإلى جانب العلاقات رفيعة المستوى، تظل الولايات المتحدة وتركيا مضطربتين من جميع القضايا التي تراكمت على مر السنين. ومع ذلك، فقد دخلت الآن إدارة جديدة متحفّظة على سياسات تركيا التي أصبحت أكثر عزلة جيوسياسيًا، ومنقسمة في الداخل، وتواجه العديد من التحديات الاقتصادية.

حدد المحللون الذين يراقبون تركيا منذ انتخاب بايدن بعض الحوادث التي يعتقدون أن أنقرة تتصرف فيها لكسب نقاط مع واشنطن. ومن الأمثلة على ذلك الإجراءات المتخذة في تركيا ضد إيران.ففي ديسمبر، كشفت تركيا عن شبكة استخبارات إيرانية في اسطنبول متورطة في اختطاف حبيب شعب، المعارض العربي الإيراني المنفي. وفي 11 فبراير، أعلنت السلطات التركية عن اعتقال دبلوماسي إيراني قالت إنه متورط في اغتيال مسعود مولوي فاردانجاني في 2018.

وتجاهل ميتستال الإيحاء بأن مثل هذه الإجراءات ستكون فعالة في كسب تأييد بايدن، ولفت إلى أنّ استهداف إيران بهذه الطريقة هو تصرّف متأخر، وأضاف: "إذا أرادت تركيا العمل مع الولايات المتحدة ضد إيران، فكان لديها أربع سنوات من إدارة ترامب التي كانت تطلب بشدة منها أن تفعل ذلك بالضبط"، وأشار إلى جهود مسؤولي ترامب لاجتذاب تركيا ضد إيران.

وشدّد الباحث ميتستال أنّ بايدن لا يتبع نفس نهج المواجهة تجاه إيران، ويسعى في المقام الأول إلى إعادة التفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 التي انسحب منها ترامب من جانب واحد. ومن هنا يعبّر عن اعتقاده أن تركيا ستؤيد رؤية اتفاقية جديدة، ولكن لأسباب خاصة بها وليس لمصلحة مشتركة مع واشنطن. وقال: "لم يعد الشرق الأوسط محصوراً بالشرق الأوسط بعد الآن، بل يمتد عبر حدوده". وأضاف: "أن نقول إننا سوف نتجاهل الشرق الأوسط وإنه سيتجاهلنا ليس بالطريقة التي تعمل بها تلك المنطقة."

ولطالما حافظت تركيا على روابط تجارية قوية مع إيران ووجدت نفسها في السنوات الأخيرة في نفس الجانب مثل طهران في المنطقة. دعم الاثنان قطر عندما كانت تخضع لمقاطعة من جيرانها، وعارضا عمليات التطبيع العربي المتزايدة مع إسرائيل بعد اتفاقات أبراهام في سبتمبر 2020. خلال عهد ترامب، بدلاً من الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة كما فعل الآخرون في المنطقة.

وانتقد أردوغان علانية العقوبات الأميركية ضد إيران. حتى في الاجتماعات الأخيرة مع المسؤولين الإيرانيين، سلط أردوغان الضوء على رفع العقوبات عن إيران كسبب رئيسي للسعي إلى حوار بين طهران وواشنطن، وفي هذا الإطار أوضح ميتستال أن تركيا تفضل أن ترى إيران غير مقيدة ومعززة من خلال خطة العمل الشاملة المشتركة.

ومهما كانت طبيعة العلاقات التي لا تزال قائمة بين واشنطن وأنقرة، فإنّها قد تواجه تحديات جديدة من خلال اتجاه متزايد من عدم الاهتمام من جانب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وفي الآونة الأخيرة، نقلت وسائل إعلام أميركية عن مساعدين لبايدن قولهم إن الإدارة لا تعتبر المنطقة أولوية، وبحسب الباحث ميتستال، فقد لا يبشر هذا بالخير للولايات المتحدة أو تركيا إذا ترجم إلى تفاعل أقل مع المنطقة، في وقت كانت فيه قوى أخرى مثل روسيا والصين تقوم بترسيخ وجودها ونفوذها بشكل أعمق.