تركيا تزيد الضغط على الأكراد بينما تلوح العقوبات الأميركية في الأفق

عندما تأكدت الأخبار أن تركيا تسلّمت أول شحنة من مكونات نظام الصواريخ الروسية الصنع إس-400 يوم الجمعة، صاحبت تلك الأنباء تقارير ربّما تكون تُنذر بنشر واسع النطاق لقوات تركية على الحدود مع سوريا.

ومن شأن حصول تركيا على إس-400 إثارة تداعيات من جانب الولايات المتحدة؛ لكن احتمالات تنفيذ تركيا هجوماً على منطقة الحكم الذاتي الكردية في شمالي سوريا، والمعروفة باسم روج آفا، قد تكون لها تداعيات أكبر.

وفي بعض الأحيان، تكون التجمعات السكنية الممتدة على طول الحدود قريبة من بعضها البعض، على نحو يجعل كل اثنتين منهما تبدوان ضاحيتين في مدينة واحدة، مثل المالكية في الطرف الشمالي الشرقي من سوريا، وجيزري في جنوب شرقي تركيا. لكن العبور بينهما يستلزم ما هو أكثر من حمل جواز سفر.

وتنظر تركيا إلى الميليشيات والإدارات التي تحكم روج آفا على أنها امتداد للجماعات المسلحة المحظورة، التي تعتبرها أنقرة جماعات إرهابية. وقد ظل الرئيس رجب طيب أردوغان يحتال لإبعادهم عن الحدود، إما من خلال إنشاء منطقة آمنة عبر وساطات دولية، أو من خلال تنفيذ عمليات عسكرية تركية عابرة للحدود.

ومن شأن الأنباء التي تحدثت عن حشد القوات أن يجعل الخيار الأخير أرجح؛ لكن لا المدنيين ولا العسكريين الأكراد القاطنين في المالكية يبدون قلقين على وجه الخصوص – وهذه رباطة جأش تنبع من الانخراط بالفعل على مدار سنوات في صراع لا هوادة فيه.

وقال أحد السكان المحليين "إذا كان هناك هجوم، فسنقاومه وندافع عن أنفسنا". ولدى هؤلاء الإمكانيات التي تمكنهم من أن يفعلوا هذا، في ظل حشد نحو 100 ألف مقاتل في مناطق روج آفا، منهم من يتولون مسؤولية أمن الحدود.

لكن الافتقار إلى نظام دفاع جوي جعل استمرار التعاون مع الولايات المتحدة، التي تحالفت مع الجماعات الكردية لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، أمراً ضرورياً. وقد يُنظر إلى موقف تركيا الحالي على أنه محاولة منها لغل يد الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن الدعم الأميركي حقق قدراً من الأمن للأكراد في روج آفا. وأبلغ مسؤولون أكراد نظراءهم الأميركيين خلال مباحثات يجرونها معهم بأن أي هجوم تركي لن يدع لهم خياراً سوى سحب القوات المسلحة الكردية بعيداً عن المناطق التي انتُزعت في الآونة الأخيرة من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، مثل دير الزور والرقة، وهو ما سيفتح المجال أمام عودة المنظمة الجهادية المتطرفة من جديد.

وهذا احتمال لا ترغب الدول الغربية في المخاطرة به تحت أي ظرف. ولهذا السبب أيضاً كان أردوغان حريصاً على طرح الموضوع على أنه جهد لاستهداف عناصر تنظيم الدولة الإسلامية والقوات الكردية السورية عندما كان يُناقش العملية العابرة للحدود العام الماضي.

وربما يكون تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الجماعات الجهادية الخطيرة خسروا الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها، لكن لم يتم القضاء عليهم بعد. فخلايا تنظيم الدولة الإسلامية نائمة في الوقت الحالي، تتحين الفرصة لإعادة ترتيب صفوفها من جديد.

وتقول الولايات المتحدة للإدارة الكردية في المنطقة إن المباحثات مع تركيا مستمرة، وإنها لن تسمح بهجوم عسكري. لكن حيث أن الأكراد عانوا من تاريخ من الخداع بسبب تقلبات المصالح الغربية، فإنهم أيضاً يتوخون الحذر بشأن هذه التطمينات.

ويعتقد الأكراد أيضاً أن الحكومة التركية، التي تُعاني من مشاكل اقتصادية وعزلة دولية، قد تلجأ إلى مغامرات في الخارج لتعزيز موقفها في الداخل. لكن أي عملية عسكرية تنفذها تركيا في سوريا من دون موافقة صريحة ودعم من الولايات المتحدة، ستكون لها تداعيات. ومن ثم، فأنا أعتقد أن التوترات ستستمر، لكنها لن تتطور إلى اعتداء صريح.

ويبدو أن تركيا تتّبع استراتيجية ثلاثية المحاور منذ أن قررت محاولة حل القضية الكردية من جديد بالوسائل العسكرية في عام 2015. أحد محاور هذه الاستراتيجية هو محاولة تدمير مقار حزب العمال الكردستاني المحظور في قنديل شمالي العراق، لتحل قوات البشمركة الكردية العراقية محله. وهذا لن يستلزم فقط موافقة الولايات المتحدة وتعاون السلطات الكردية العراقية، وإنما أيضاً قبول إيران بذلك. المحوران الآخران هما وضع روج آفا تحت الحصار بشكل مستمر، وربط كردستان العراق بتركيا في الأجل الطويل بشكل أو بآخر.

وعلى الرغم من أن العراق ما زال يتمتع بوحدة الأراضي والإدارة على الورق، فإنه منقسم من الناحية العملية. ووسعت تركيا وجودها في إقليم كردستان، وتعاونت مع أكراد العراق. وليس بيد الحكومة العراقية الكثير مما تستطيع أن تفعله لإيقافها.

وتريد حكومة إقليم كردستان في شمالي العراق أن تضمن مستقبلها من خلال بيع نفطها عبر تركيا، ومن خلال التعاون مع القوات المسلحة الكردية في مواجهة حزب العمال الكردستاني. ولتركيا كلمة في كل قرار حاسم يتعلق بالمنطقة، ودائماً ما تكون عين الحكومة الكردية في العراق على أنقرة.

لكن كما فشلت دول في المنطقة في حل مشاكلها في إطار الديمقراطية وسيادة القانون، فإن القوى الدولية أصبحت جزءاً من المعادلة نتيجة لذلك، وهذا لا يضمن في المقابل نجاح الخطط حالما يتم تطبيقها. والأرجح أن هذا سيؤدي إلى مشاكل أكبر.

وهناك تعقيدات وفوضى في المشهد؛ فتركيا، وعلى الرغم من الضغوط، ما زالت تتعاون مع روسيا في سوريا؛ لكن الاثنان بينهما خلافات كبيرة بشأن إدلب، آخر معاقل المعارضة الكبرى في سوريا، وأيضاً بشأن قبرص، حيث عززت تركيا جهودها في التنقيب عن الغاز.

وتنفذ تركيا أيضاً عملية عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في العراق بالتنسيق مع الولايات المتحدة، التي ستطرد تركيا من برنامج إنتاج الطائرات المقاتلة الأحدث من طراز إف-35، وستفرض عقوبات بشأن قرار أنقرة الحصول على الصواريخ الروسية.

وفي سوريا، تختلف مواقف البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي. وقد انحطّت علاقات تركيا مع أوروبا إلى مستوى التهديد بإرسال اللاجئين السوريين إلى الغرب. ومن الممكن أن ينهار الوضع الراهن غير المستقر بسرعة، وقد تجد تركيا نفسها في موقف مستحيل.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/rojava/turkey-ups-pressure-kurds-us-sanctions-loom
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.