أحوال تركية
مايو 22 2019

تركيا والاستثمار الانتخابي للإسلاموفوبيا

إسطنبول – لا تنفكّ حكومة الرئيس التركي رجيب طيب أردوغان الإسلامية تتّخذ من الإسلاموفوبيا أداة من أجل حشد الجموع من حولها في الاستحقاقات الانتخابية، بحيث تكون تغذية مشاعر الكراهية ضدّ الآخرين بزعم معاداة الإسلاموفوبيا، لعبة تكشف عن مدى الاستغلال الذي تمارسه من أجل تمرير مصالحها والوصول لغاياتها، بغضّ النظر عمّا تثيره من حساسيات، وما تتسبّب به من شروخ وانقسامات، وما تولّده من عداء واستعداء.

ويحاول سياسيون أتراك متأسلمون التأكيد على أن استهداف حرية التعبير لدى السياسيين وتهديدهم بالقتل، أمر فظيع للغاية، وهو توصيف واقعي في الحالة العادية، أو أمر حق يراد به باطل كما يقال، وتراهم من خلاله يسعون لمكاسب دعائية وانتخابية، ويشددون على ضرورة عدم رضوخ السياسيين للتهديدات أياً كانت، والاستمرار في الإدلاء بآرائهم بكل حرية، من باب الإشارة إلى ثباتهم على مواقفهم، وزعمهم أنهم يؤدون رسالة جليلة، في الوقت الذي يمارسون فيه دعاية انتخابية تحت قناع الإسلاموفوبيا التي يشهرونها كسلاح انتخابي لا غير.

وفي أحدث محاولة لإشهار ورقة الإسلاموفوبيا ومحاولة الاستثمار الانتخابي فيها، نشرت الأناضول تقريراً بعنوان "انتخابات البرلمان الأوروبي.. تهديدات للسياسيين الأتراك" ذكرت فيه أن عدداً من السياسيين الأتراك تلقوا تهديدات بالقتل، في ظل استعداداتهم لانتخابات البرلمان الأوروبي، المزمع عقدها، الخميس، بهولندا. وزعمت أنه مع ازدياد وتيرة الإسلاموفوبيا ومعاداة الأجانب في هولندا خلال السنوات الأخيرة، أخذ المتطرفون بتوجيه تهديدات بالقتل للمسلمين في الأحزاب السياسية.

وادعت أن وتيرة التهديدات ارتفعت ضمن إطار الحملة الدعائية لانتخابات البرلمان الأوروبي، وأن هذه التهديدات تهدف لزرع الخوف والهلع في نفوس السياسيين. وقالت إنه في هذا الإطار، تلقى النواب، وأعضاء مجالس البلديات، من حزب "دينك" والذي تأسس على يد غالبية من الأتراك المغتربين والمهاجرين، تهديدات بالقتل مع اقتراب انتخابات البرلمان الأوروبي. ونقلت عن رئيس حزب دينك، سلجوق أوزتورك، إن السياسيين من أصول مهاجرة وإسلامية باتوا عرضة للتهديدات مع ازدياد وتيرة معاداة الإسلام والأجانب في البلاد.

وتنتقد حكومة أردوغان الإسلامية باستمرار ما تصفه بأنه "تصاعد العداء للإسلام" في الدول الغربية، ويكرر ساسة أتراك دعوات للغرب بضرورة الابتعاد عن الخطاب الذي يثير مشاعر الكراهية للإسلام والأعمال المعادية له، ويحاولون تمرير رسائل تحمل التهديد المبطن من خلال الإشارة إلى أنه لو لم تتمّ الاستجابة لدعوات تهدئة التطرف والكراهية، فلن يتوقف الإرهاب.

وحاول الرئيس أردوغان استغلال مجزرة نيوزيلندا في حملته الانتخابية للانتخابات البلدية التي أجريت في تركيا في 31 مارس الماضي، وخسر فيها حزبه العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم السيطرة على المدن الكبرى، إسطنبول وأنقرة وإزمير وغيرها من المدن. واتّهم بتأجيج مشاعر الكراهية من خلال عرض فيديو المجزرة بضع مرات في تجمعاته الانتخابية، ما أثار استنكار الحكومة النيوزيلندية التي طالبته بالكفّ عن ذلك

استغلال الإسلاموفوبيا في سياق الدعاية السياسية أصبح نمطاً متبعاً من قبل أردوغان
استغلال الإسلاموفوبيا في سياق الدعاية السياسية أصبح نمطاً متبعاً من قبل أردوغان

وعرض أردوغان تسجيل مجزرة نيولندا في حملته الانتخابية، وأشار مراراً إلى الهجوم الدموي الذي استهدف مسجدين بـ"كرايست تشيرتش" النيوزيلندية؛ والذي أسفر عن مقتل 50 شخصًا، أثناء تأديتهم الصلاة، وإصابة 50 آخرين، باعتباره مؤشرا على تصاعد موجة عداء للإسلام تجاهلها الغرب. وحين اتهمت المعارضة الرئيسَ أردوغان وحزبه بتأجيج مشاعر الكراهية وتغذية العنصرية من خلال تصدير الخطاب الشعبوي العدائي، أعاد أردوغان توجيه اتهامات للمعارضة بدعم الإرهاب الأمر الذي أصبح عنصراً أساسياً في الحملة الانتخابية المحلية لحزب العدالة والتنمية.

وكان أردوغان قد أثار غضب أستراليا الاثنين بعد أن حذر بأن الأستراليين المناهضين للمسلمين - مثل منفذ المجزرة - "سيُرسلون في نعوش" مثل أجدادهم في معركة غاليبولي في الحرب العالمية الأولى. وأعربت نيوزيلندا أكثر من مرة عن استيائها وغضبها جراء استخدام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حادثة الهجوم الإرهابي  في حملته الانتخابية التي قام فيها بمحاولة تشويه صورتها أمام العالم، وتقديم نفسه البطل المستهدَف والزعيم الإسلامي العالمي الذي يحامي عن حقوق المسلمين ويدافع عن الإسلام في وجه أعدائه.

ولا تتوانى حكومة العدالة والتنمية الإسلامية عن التدخل في شؤون الدول الأخرى بحجة الدفاع عن المسلمين أو تحت قناع بناء المساجد، فقبل أيام ذكرت خدمة "بي بي سي" التركية، أن مديرية الشؤون الدينية التركية (ديانت)، قد شيدت 103 مساجد خارج تركيا في أكثر من 12 دولة بتكلفة قاربت نصف مليار دولار، عبر شركات إنشائية خاصة بها، ما يشير إلى العمل الدؤوب من قبلها على التغلغل في مجتمعات الدول التي تبني فيها المساجد، ومحاولة نشر الإسلام السياسي بينها، وتطويعها من أجل تمرير المصالح التركية لاحقاً، واستخدامها كأوراق ضغط بيدها ضد حكومات بلدانها حين تحتاج إليها.

وقبل أيام سارعت تركيا لتقديم نفسها كواجهة للإسلام عالمياً، وأنها مستهدفة مجدّداً، بعد أن أقر مجلس النواب النمساوي، مشروع قانون قدمه الائتلاف الحكومي اليميني، يحظر ارتداء الحجاب في المدارس الابتدائية، واستنكرت الخارجية التركية، قرار مجلس النواب النمساوي، بحظر الحجاب في المدارس الابتدائية. واعتبرت أن القرار بمثابة "مثال جديد للتفرقة والإقصاء" تستهدف المسلمين دون أتباع الديانات الأخرى. وأشارت أن "معاداة الإسلام والأجانب في أوروبا وعلى رأسها النمسا، أصبحت عملية منظمة وممأسسة، مما يستدعي القلق".

ويلفت مراقبون إلى أن استغلال الإسلاموفوبيا في سياق الحملات الانتخابية والدعاية السياسية أصبح نمطاً متبعاً من قبل أردوغان وحكومته، ولاسيما في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعانيه تركيا، حيث يتمّ اللجوء إلى تجريم الآخر وتأثيمه وشيطنته وتوصيفه بأوصاف الحقد والكراهية، وأنه يستهدف تخريب الاقتصاد التركي كخطوة في إطار الحملة على الإسلام والمسلمين، وذلك للتغطية على فشل السياسات الاقتصادية، والتخلّص من أعباء المسؤولية عن ذلك، وإيجاد جهات ينسب إليها التآمر والتواطؤ ضد تركيا المسلمة.