تركيا والحنين إلى عصر الانحطاط في المنطقة العربية

إسطنبول – تعمل الحكومة التركية على توجيه الأنظار عن سياساتها في المنطقة العربية، والتي توصف بأنّها تدخّل في الشؤون الداخلية لعدد من الدول، كما في حالة سوريا، وليبيا، واليمن، والعراق، ومصر.. وتحاول الزعم أنّ "ملفات شائكة جعلت من تركيا هدفًا للأقلام والمنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي في بعض دول الوطن العربي."

ما غاية التضليل الإعلامي التركي بالعودة إلى التاريخ لنبشه وتجميل أحداث معينة فيه؟ هل يندرج ذلك في سياق توظيف التاريخ لخدمة حكومة أردوغان الباحثة عن الزعامة في المنطقة؟ ألا يوصف ذلك بأنه تعدٍّ على التاريخ وإعادة توظيفه وتسييسه لتجميل سياسات راهنة؟ هل يأتي من منطلق الحنين التركي إلى استعادة أمجاد السلطنة العثمانية، وإن كان على حساب إرجاع الشعوب العربية إلى ما يعرف بعصر الانحطاط..؟

التاريخ في خدمة سياسات حكومة أردوغان ومراميها في المنطقة العربية والعالم، هذا ما يشدّد عليه معلّقون يرون في ممارسات الحكومة التركية ضرباً من المجازفة بسلامة تركيا والمنطقة، ولاسيّما أنّها تتورّط في الأزمات، وتغرق أكثر فأكثر في الحروب، من دون أن تتمكّن من انتشال نفسها وإنقاذ ما يمكنها إنقاذه، والعمل على تلبية طموحات الشعب التركي بالأمان والاستقرار بعيداً عن اختلاق الأزمات والتورّط فيها.

ادّعت وكالة الأناضول التركية الرسمية في مقال تحليلي لها، أنّ التهم الموجهة نحو تركيا، اندفعت "وسارت في اتجاهين: حرب موجهة نحو القيادة التركية الحالية، وأخرى بقصاصات التاريخ، فصرنا نشهد حملة ممنهجة شرسة بالغوص في كتب التاريخ، واستخراج وقائع يرون أنها تدين الدولة العثمانية."

وصف محللون مساعي تركيا لخلط الأوراق التاريخية، بأنّها خطوة تندرج في إطار العودة إلى ما يعرف بعصر الانحطاط في الأدبيات العربية، وهو الذي يجسد حقبة الاحتلال العثماني للمنطقة، والتي دخلت على إثرها في عهود من الظلامية والتجهيل والتخلف، والابتعاد عن روح العصر، بغية إبقاء حالة التبعية وإطالتها قدر الإمكان، وقد تجاوزت أربعة قرون من الزمن، منذ القرن السادس عشر، حتى بدايات القرن العشرين.

وفي سياق محاولات التضليل المستمرة من قبلها، حرصت الوكالة التركية على إحالة الأمور إلى نقاط بعيدة عن جذور المشاكل التي تثيرها، وتتسبّب بها في المنطقة، وسعت إلى إخراج السياسات من سياقاتها الزمنية الراهنة التي تتحمل الحكومة الحالية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان مسؤولياتها، وإظهارها أنّها مستهدفة ومعرضة لسهام الانتقادات ممن تعتبرهم خصومها.

وفي محاولتها لترقيع سياسات الحكومة التركية حاولت الأناضول إثارة سؤال إن كان الاحتلال العثماني وراء تأخر نهضة الدول العربية، ليعمل على دحض الفكرة الراسخة في أذهان الأجيال العربية، والتي وثقتها وقائع التاريخ الموثقة، لتقوم بتطويعها في خدمة النظام التركي الذي يسعى بدوره لتجميل صورة السلطنة العثمانية، واستعادة أمجادها البائدة.

أنقرة ترعى جماعات الإسلام السياسي وتسخّرها لخدمتها
أنقرة ترعى جماعات الإسلام السياسي وتسخّرها لخدمتها

تعمل الوكالة التركية على استغلال الجانب الإسلامي عند شرائح من الشعوب العربية، وتذكية المشاعر الدينية بطريقة يصفها المحللون بأنّها ماكرة، وتوظّف الدين في خدمة سياسات الحكومة التركية التي ترعى جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي وتسخّرها لخدمة مصالحها في عدد من الدول العربية.

اختارت الأناضول حادثة قيام السلطان العثماني، سليم الأول، لدى دخوله مصر، عام 1517م، بترحيل كبار التجار والصناع والحرفيين وموظفي الحسابات الحكومية إلى إسطنبول، فيما يشبه النفي، للعمل على بناء نهضة حضارية للدولة العثمانية، ما نتج عنه تأخر المصريين صناعيًا وحرفيًا وتجاريًا على مدى ثلاثة قرون حتى تولي محمد علي باشا زمام الأمور، عام 1805.

وعملت على محاولة دحضه بشكل غير مقنع، وإن جهدت لاستخراج أقوال قامت بتأويلها وفق المصلحة السياسية الراهنة للحكومة التركية، إلّا أنّها ظلّت بعيدة عن المنطق، لأنّ من المتعذّر تغيير القناعة الراسخة لدى الأجيال العربية، بأنّ الاحتلال العثماني الذي حافظ على التخلّف وتسبّب بها في المنطقة، عمل على تحقيق النهضة لها وتطويرها، كما أنّ المحاولة تجافي حقائق التاريخ..

وكأنّ الوكالة التي تعدّ لسان حال حزب العدالة والتنمية الحاكم، تبحث عن سبل لقلب الوقائع بما يناقض التاريخ، ويخدم الواقع الذي تعمل الحكومة التركية على خلقه وتقديمه كواقع بديل، وخيار تعتبره أفضل للمنطقة، في حين أنّه لا يتعدّى محاولة إرجاع الشعوب العربية إلى الحظيرة العثمانية، بأقنعة الإسلام السياسي التي ترتديها حكومة أردوغان التي ترعى تنظيم الإخوان المسلمين العالمي وفروعه في المنطقة.   

 حاولت الأناضول الالتفاف على الأحداث التاريخية، بالاعتراف بها بداية، ومن ثمّ إخراجها من سياقها وقلب الغاية منها، وقالت "لن نجحد الوقائع التاريخية، وما ينبغي لنا أن نفعل، فالواقعة حقيقية، وقيام السلطان سليم الأول بنقل بعض المهنيين والحرفيين والصُّناع والتجار وغيرهم إلى عاصمة العثمانيين هو أمر لا مرية فيه، وذكره مؤرخون منهم ابن إياس، في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، والذي تحدث عن "تعطيل" خمسين صنعة خلال إقامة السلطان سليم في مصر، والتي كانت ثمانية أشهر إلا إيامًا، بنص كلام ابن إياس."

وفي هذه الاثناء تتلاعب بالمفاهيم والمصطلحات، فتسمّي الاحتلال العثماني بالفتح العثماني، في مسعى للتذكير بالفتوحات الإسلامية، والتماهي معها، والتلاعب بالكلمات وكأنّ الاحتلال العثماني امتداد لتلك الفتوحات التي لها حضور مؤثر في الذاكرة الجمعية العربية والإسلامية، وتحاول بما يصفه محللون بالتعدّي على التاريخ، تجميلَ الاحتلال وإكساءَه أثواباً معاصرة، للإيحاء من خلاله بأنّ التدخّلات التركية الراهنة في شؤون الدول العربية، لا تأتي من باب التعدّي، أو الرغبة بالاحتلال، بل من منطلق الفتح والمساعدة على النهضة من جديد..

وهذا ما يثير كثيراً من الشكوك لدى أبناء المنطقة الساعين إلى بناء دولهم ونهضتهم بعيداً عن أي احتلال أو تبعية.