تركيا والصواريخ.. قصة لا تنتهي أبداً

هل تذكرون ذلك المشهد الدرامي الذي ضم كلّاً من روسيا وتركيا حول قضية الصواريخ أرض-جو؟ لا أقصد مكونات نظام إس-400 التي تصدّرت عناوين الأخبار هذا الأسبوع؛ فما يدور في ذهني هو أحداث عامي 1997-1998، عندما احتجّت الحكومة والجيش في تركيا بشدة على تسليم الصواريخ إس-300 – الجيل السابق من صواريخ الدفاع الجوي الروسية الصنع – إلى القبارصة اليونانيين.

هددت تركيا في ذلك الحين باعتراض السفن الروسية التي تحمل الصواريخ إس-300 إلى الجزيرة المنقسمة، خشية تعرض مصالحها الأمنية للخطر. وكان خفر السواحل والبحرية التركية يصعدون بصفة دورية على متن السفن، بما في ذلك تلك التي كانت ترفع علم الاتحاد الروسي، لتفتيش البضائع التي تحملها تلك السفن. وبعد تدخل الولايات المتحدة، وافق الرئيس القبرصي آنذاك غلافكوس كليريديس على نشر الأسلحة الروسية الصنع على جزيرة كريت اليونانية، بعيداً عن مرمى تركيا.

لكن هناك اختلافاً صنعته نحو 20 سنة – فهذه الأيام، إنها تركيا، وليست اليونان أو القبارصة اليونانيين، هي التي تقف في صف موسكو. وبينما يبتهج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومؤيدوه بوصول شحنات البطاريات إس-400 إلى تركيا، فإن مسؤولي الدفاع في أثينا يمضون قدماً في الاتفاق الذي أبرمه رئيس الوزراء السابق ألكسيس تسيبراس مع الولايات المتحدة بشأن تحديث الطائرات المقاتلة من طراز إف-16.

وعقد نيكوس باناغيوتوبولوس، وزير الدفاع اليوناني المعيّن حديثاً، هذا الأسبوع أول اجتماعاته مع السفير جيفري بيات. وأشاد الدبلوماسي الأميركي باليونان واصفاً إيّاها بأنها "أحد أعمدة الاستقرار في شرق المتوسط". جدير بالذكر أن إيفانجيلوس أبوستولاكيس، سلَف باناغيوتوبولوس في هذا المنصب، روّج لفكرة شراء اليونان للطائرات إف-35 بعد احتمال أن تصبح تركيا خارج الكونسورتيوم الدولي الذي يعمل على إنتاج الجيل القادم من الطائرة.

وحقيقة الأمر أن توازن القوى في المنطقة قد تغيّر. ففي أواخر التسعينيات، لم تكن روسيا أكثر من مجرد مصدر إزعاج. فبعد أن قلّصت تواجد قواتها البحرية في البحر المتوسط بالفعل في منتصف السبعينيات، أصبح كل ما يمكن أن تأمل فيه هو الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية الطيبة مع الدول التي تجمعها بها ميول مشتركة، وربما الحصول على العملة الصعبة التي تحتاجها بشدة من خلال بيع الأسلحة. وكان من الصعب جداً أن تكون منافساً للهيمنة الغربية على المنطقة.

كانت المؤسسة الأمنية التركية تراقب بحذر مقترحات موسكو بشأن اليونان وقبرص وسوريا وأرمينيا؛ لكن أحداً في البيت الأبيض أو البنتاغون لم يبذل الكثير من الجهد في هذا الشأن. في المقابل، فإن روسيا برزت اليوم كوسيط قوي في سوريا، وشريك مفضل لدى أرودغان، وذلك لأسباب ناقشها النقاد والخبراء باستفاضة.

وقد تكون مبيعات الأسلحة أفضل خيار جيوسياسي لروسيا؛ فهذه المبيعات تعزز العلاقات مع القادة وقواتهم العسكرية، وتعزز إيرادات الصناعة العسكرية، التي تمثل أحد قطاعات التكنولوجيا المتقدمة القليلة في الاقتصاد الروسي. وتضع صادرات الأسلحة روسيا في مكانة تقترب فيها من أن تكون ندّاً للولايات المتحدة. الأهم من ذلك أن المخاطر المتعلقة بهذا الشأن ليست كبيرة.

ومن خلال بيع الصواريخ إس-400 لتركيا والصين وغيرهما، فإن روسيا لا تواجه خطر الدخول في صراعات يمكنها أن تنأى بنفسها عنها.

ويستحق نظام الصواريخ أرض-جو إس-400 الحديث عنه بشكل خاص. فبعد أن دخل هذا النظام الخدمة في عام 2007، وأُتيح للتصدير في أوائل العقد التالي، اشترته كل من بيلاروس (التي حصلت على سعر مخفّض في إطار ترتيب لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي)، والجزائر والصين. وفي الفترة من عام 2015، إلى عام 2017، استوردت مصر الصواريخ (إس-300 في إم "أنتيي 2500")، التي يعتقد الخبراء العسكريون أنها إلى حد ما متفوقة على النظام الذي اشترته تركيا. وتُستخدم التكنولوجيا الصاروخية الروسية حتى في كوريا الجنوبية.

ولا شك في أن السعوديين يراقبون الاتفاق التركي عن كثب. ويُجري السعوديون مفاوضات مع روسيا. ومن شأن احتمال البيع أن يفتح الباب في سوق الدفاع الخليجي الجذّاب للغاية. وهذه ليست بالأخبار الجيدة لإيران، التي تفخر بامتلاك إس-300، لكن لغة المال والأعمال هي التي تسود دائماً. ويشهد على ذلك بالتأكيد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي بلغت رومانسية الأخوّة بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منتهاها.

لكن ماذا عن تركيا؟ تريد تركيا أيضاً أن ترتمي في أحضان عالم التجارة وتجني الثمار. والقصة التي يرويها القصر الرئاسي التركي هي أن الاتفاق مع روسيا سيشمل بشكل أو بآخر نقلاً للتكنولوجيا. لكن هذا من الأمور غير المرجحة بالنظر إلى تصريحات المسؤولين الروس. وفي نهاية المطاف، فإن تركيا ما زالت جزءاً من حلف شمال الأطلسي، وهي صديق بقدر ما هي منافس في السياسة بالمنطقة، وربما أسواق الدفاع أيضاً.

في الوقت ذاته، فإن مخاطر إقصاء تركيا عن قطاع الصناعات العسكرية الأميركي هي مخاطر قائمة بالفعل. لكننا لم نر حتى الآن إلى أي مدى ستكون العقوبات الأميركية قاسية، ومتى ستُفرض تلك العقوبات، بالنظر إلى أن الصواريخ إس-400 لن يتم تجميعها ونشرها قبل العام المقبل. ولو كنت تركيّاً، لوددت بشدة أن يكون لدى أردوغان خطة بشأن كيفية التعاطي مع هذه القضية. وعلى الرغم من أن هذه القضية من صنع يده إلى حد كبير، فإن تداعياتها ستكون على البلد بأكمله.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/s-400/turkeys-never-ending-missile-saga
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.