Nesrin Nas
أغسطس 20 2019

تركيا والتشبث بخيار الحرب من جديد..

قضينا عطلة العيد على هذا النحو...

تلقينا في اليوم الأول رسائل سلمية تدعو إلى السلام والصداقة والإخاء والسعادة، ولكن ما لبث أن تحولت هذه الرسائل في اليوم الثاني إلى صيحات ونعرات تدعو إلى الحرب وحدها..

راح جميع المسؤولين في حكومة أردوغان من رئيس الجمهورية حتى وزيري الخارجية والدفاع يؤكدون في تصريحات لهم أننا أظهرنا قوتنا لأعدائنا، وأننا سنطهر شرق الفرات من "الإرهابيين" لنضيف انتصارا جديدا إلى سلسلة انتصاراتنا الماضية، وأن شهر أغسطس سيدخل التاريخ بما سيتحقق فيه من انتصارات..  

لم ينتهِ شهر أغسطس بعد، بدأت أعداد من القوات الأميركية تتوافد على الأراضي التركية تنفيذا للاتفاق الذي تم التوصل اليه بين البلدين من أجل إقامة "مركز عمليات مشتركة". وعلى الرغم مما يبدو لنا أن مغامرة تركيا في القيام بعمليات عسكرية شرق الفرات قد تم تجميدها على الأقل في الوقت الحالي، إلا أن شهوة الحرب لم تنطفئ بعد في نفوس قادة تركيا..

كم كانت تركيا مسالمةً حقا (!) حينما تجاهلت حق دولة أخرى في فرض سيادتها على أراضيها، وطالبت في المفاوضات مع أميركا بإقامة منطقة آمنة أسمتها "ممرات السلام" على أرض تلك الدولة وليس على الأراضي التركية. لا أعرف إلى أي مدى ستنجح هذه الخطوة، ولكني على يقين بأنها ستجعل الأزمة السورية أزمةً دائمة ستستمر على المدى البعيد، كما أنها ستجر تركيا كذلك إلى أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة.

اتخذ الحزب الحاكم في تركيا الحرب الدائرة في سوريا منذ عام 2011 وسيلةً للتنصل من مسؤولياته تجاه الأزمات التي تتعرض لها تركيا في الوقت الراهن؛ فكثيرا ما تعمد الحكومة إلى اللعب بورقة الأزمة السورية لإسكات المعارضة في الداخل، والتغطية على المشاكل الاقتصادية التي فقدت قدرتها على إيجاد حل لها وكذلك معاقبة الأكراد الذين لا يصوتون لصالحها.  

من ناحية أخرى، تحاول تركيا استغلال هذه الورقة لتأجيل العقوبات الأمريكية المحتملة على خلفية شراء منظومة إس-400 الصاروخية الروسية، واحتواء ردود الأفعال المتزايدة ضدها في موضوع اللاجئين السوريين.

وإلى جانب أنه من الصعوبة بمكان على تركيا أن تقوم بمفردها بفرض منطقة آمنة شمالي سوريا بعيدا عن أميركا وروسيا،  فقد صادف هذا الأمر رغبة مشتركة لدى الولايات المتحدة وروسيا يزكيها عدد من الأسباب منها عدم رغبتهما في اندلاع صراع مفتوح، وأن أمرًا كهذا سيعطي الانطباع بأن تركيا حصلت على ما تريده في الوقت الحالي أو لنقل صارت على مقربة من الحصول عليه.

وعلى الجانب الآخر يبدو أن أردوغان ورفاقه صاروا يعوِّلون كثيرا على سياسة ممارسة الضغوط على أطراف الأزمة السورية، وتكوين رأي عام في الداخل والخارج لإثبات نجاح النظام الرئاسي الجديد عن طريق تحقيق مكاسب في ظل هذا الجو، واستعادة جزء من أراضي الإمبراطورية العثمانية المفقودة.

يكشف لنا التاريخ أن الحروب لا تنتهي عادة كما هو مخطط لها. أين نحن الآن من الخطط والوعود التي قطعوها على أنفسهم بشأن الحرب السورية، كالصلاة في الجامع الأموي في غضون 15 يوما وما إلى ذلك؟!

ربما تستطيع إسكات المجتمع بإطلاق صرخات الحرب الحماسية، وقد تتمكن من منع أو تأجيل الحديث عن الأزمات الراهنة في الداخل، قد تستطيع أيضا تحييد  المعارضة، ولكن المؤكد أنك إذا حاولت القتال مع القوتين العظميين عسكريا، ودأبت على نهجك في الوقوف في وجه العالم بأسره ومعاداته، فستكون مثل الشخص الذي حاول اصطياد عصفورين بحجر واحد فارتدت الضربة وأصابته هو..  

وفي رأيي، إن المعارضة تتحمل مسؤولية هذا الأمر كذلك؛ فلم يمضِ وقت طويل بعد 23 يونيو، ومع هذا تواجه المعارضة صعوبة في الحفاظ على الروح المعنوية التي اكتسبتها بعد الانتخابات. فبدلا من أن تعرب عن رأيها وتقف صراحة في وجه أردوغان، باركت خطواته وأتاحت له الفرصة كي يضع برنامجه بهدوء، ويستعيد هيبته بالحديث عن موضوع شرق الفرات والتذرع بالحفاظ على الأمن القومي.

لا يكاد أردوغان يترك يوما إلا ويخرج علينا ليتحدث عن ضرورة التدخل الفوري في الأراضي السورية كما لو كانت حدودنا تتعرض للهجوم. وعلى الجانب الآخر لم يكن التزام المعارضة الصمت، استنادا إلى أن "الشعب قد مل من إدارة شؤون السياسة الداخلية بإطلاق الصرخات الداعية إلى الحرب، وأن هذا ظهر جليا في الانتخابات الأخيرة"، أمرا مقبولا.

وكما جاء في تصريح لها لموقع أرتي جرجك Artı Gerçek الإخباري أكدت إنجي حكيم أوغلو "أن أي تحرك عسكري يقوم به أردوغان سيعني بالنسبة للمعارضة ولطوائف الشعب الأخرى المزيد من جنازات الشباب وغلاء الأسعار وارتفاع أعداد العاطلين عن العمل؛ ما يعني المزيد من الجوع  والفقر والتسلط".

خلاف ذلك، لن تتردد السلطة في اتخاذ خطوات من شأنها تعميق المشاكل والألم لدى المواطنين، كما فعلت من قبل في حربها في عفرين، بإعلان كل الذين ينادون بالسلام بما فيهم أحزاب المعارضة، التي تلتزم الصمت في الوقت الراهن، "خائنين للوطن" و"مؤيدين للإرهاب".

لا شك أن تدخل تركيا في سوريا، لن ينعكس سلبا على تعميق المأساة الإنسانية في المنطقة التي ستدور في محيطها الحرب فحسب، بل ستتسع دائرتها لتشمل تركيا كذلك. وكما نرى فإن تركيا بتدخلها في سوريا قد وصلت إلى طريق مسدود آخر، لم تجنِ منه سوى اقتصاد منهك، وقطع لعلاقتنا مع دول العالم..

لقد فقد الشباب إيمانهم وثقتهم في هذا البلد، وأصبحوا يتحينون الفرصة كي يرحلوا عنه إلى بلد آخر. وهذا يعني أننا نفقد مواردنا البشرية المؤهَّلة، وبالتالي نفقد مستقبلنا. وبالفعل تجاوزت التكلفة التي تحملتها تركيا بسبب هجرة العقول نحو 300 مليار دولار.

والواقع أننا لا نخسر بهذا شبابنا فحسب، بل نخسر كذلك أطفالنا الذين يكبرون بين أصوات وصرخات الحروب. تحدث الكاتب  الألماني سيباستيان هافنر في مذكراته التي حملت عنوان  "قصة ألماني"* عن كيفية تأثر تلاميذ المدارس، الذين عاشوا خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، بهذه الحرب، وعن كيفية تحولهم إلى أناس شغوفين بلغة الحرب والحديث عن قوة النازية في ذلك الوقت.   

يقول هافنر "إن روح الشعب وروح الطفل متشابهتان للغاية من ناحية ردود أفعال كل منهما، ومن الصعب أن نتخيل كيف كانت أساليب تغذية الجماهير من الأطفال وتعبئتهم في ذلك الوقت.. إن أي وهم طفولي تشكَّل في عقول جيل ولد في السنوات العشر المتعاقبة، وجرى تثبيته بشكل محكم داخل تلك العقول طوال السنوات الأربع، قد يظهر من جديد بعد عشرين عاما على الساحة السياسية الكبيرة في شكل "منظور عالمي" فتَّاك... عاش أطفال المدارس الألمان، الذين ولدوا خلال هذه السنوات العشر، أحداث الحرب يوما بيوم بين عامي 1914 و 1918، ورسخ في مخيلتهم أفكار مثل قدرة النازية على جعل المستحيل ممكنا. والواقع أن النازية كانت تستمد كل قوتها الدعائية وخيالها ودعواتها إلى العمل من ذلك. وهي بذلك تُظهر، من ناحية أخرى،  لمنافسيها في السياسة الداخلية عدم تسامحها ومدى قسوتها في التعامل مع الخصوم..."

وللأسف كان التزام المعارضة الصمت أمام استسلام غالبية المجتمع، وخاصة الأطفال والذين تنعقد ألسنتم لمجرد سماع كلمة الأمن القومي، لسحر لعبة الحرب المشبوهة، هو الذي شجع السلطة الحاكمة على التمادي في هذه اللعبة بشكل غير مسؤول.

 لا شك أن المعارضة تحمل على عاتقها مسؤولية منع وبال الحرب الذي ستجلبه على رؤوسنا عقلية تنظر إلى الحرب باعتبارها شرطا لا يمكن الرجوع عنه لضمان استمرارها في السلطة؛ ففي حقيقة الأمر إن قيام الحكومة الحالية بأية عملية عسكرية تستهدف الشعب الكردي في سوريا، ربما تطيل فترة بقاء الحزب الحاكم في السلطة، ولكنها ستجعل مستقبل تركيا مظلما..

 

 (*) سيباستيان هافنر: "قصة ألماني" (1914-1933) ترجمة: هولكي ديميريل، دار ايله تيشيم للنشر 2018.

 

 هذا المقال يعكس آراء المؤلف ولا يعكس بالضرورة رأي موقع "أحوال تركية".      

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/suriye/bir-kez-daha-savasa-tutunmak
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.