Nesrin Nas
يوليو 13 2019

تركيا وأزمة البناء

باتت آثار القلق العميق والخوف أكثر وضوحاً في كلمات السلطة الحاكمة في تركيا وأفعالها، بعد أن راحت تقطع ما تبقَّى من علاقاتها مع العقل والقانون، ومع ما تبقى من دول العالم؛ الواحدة تلو الأخرى.

ربما إنهم لا يرون أنفسهم، لكن العالم كله يرى أنهم يصارعون عبثاً لطمس الحقيقة، بل لا أبالغ إذا قلتُ إنهم يحاربون الحقيقة نفسها خشية فقدان أصوات مؤيديهم.

إنهم لا يريدون أن يقبلوا حقيقة أن كل من يدحض الحق، وينتهك العدالة والتعددية، لا بد وأن يفقد تفوقه الأخلاقي، وأن الذين يفقدون تفوقهم الأخلاقي لابد وأنهم سيفقدون الكتلة المؤيدة لهم بطبيعة الحال. إنهم لا يتعلمون من التاريخ، ولا مما عاشته دول أخرى مجاورة.

كانوا يأملون أن تكون الصورة التي التقطت مع ترامب في أوساكا باليابان نبراساً يعالج المشكلات التي تعاني منها تركيا؛ سواء على مستوى السياسة الداخلية والأزمة الاقتصادية الحالية أو على مستوى السياسة الخارجية، بدايةً من إدلب وأزمة منظومة صواريخ إس-400 الدفاعية الروسية، وصولاً إلى المأزق التركي في ليبيا، ولكن ما حدث هو أنهم كانوا يُقطِّعون علاقتهم بالواقع من جديد.

ومع هذا، يبدو أن هناك عدداً قليلاً ممن يعرفون كيف تُدار الأمور داخل الإدارة الأميركية. وهؤلاء الأشخاص يرون أن العقوبات الأميركية على تركيا آتية لا محالة، إن لم يكن اليوم فغد، وأن تركيا مُقبلة على أزمة جديدة قد تؤثر على وضعها داخل حلف شمال الأطلسي، وأسواق المال العالمية، كما أننا سنواجه مشكلة أخرى بعد ذلك تتعلق بالاعتماد على روسيا، أو لنقل بالتبعية لها.

أضف إلى هذا أيضاً، أننا عندما ننظر إلى ما يصدر عن المتحدث باسم الرئيس، ووسائل الإعلام من وزارة الخارجية، من بيانات متناقضة من قبيل "اشترينا، سنشتري، سننشرها ولكن لن نشغلها، سننشرها ونُشغلها" فلا بد أن نخرج بنتيجة واحدة، وهي أن تركيا إنما اتخذت قرار شراء منظومة صواريخ إس-400  الدفاعية الروسية خوفاً من روسيا وإرضاءً لبوتين. 

ومع ذلك، فإن عقلية السلطة الحالية، التي تتجاهل حقيقة أن الأزمات التي تعمَّقت جرَّاء خطواتها الهوجاء في جميع المجالات؛ بدءً من دحض مفهوم الدولة إلى الاقتصاد، ومن الهيكل السياسي إلى السلام الاجتماعي والسياسة الخارجية، قد تحوَّلت إلى إعصار يدمر الدولة بأسرها، ويحولها إلى مكان خرب لا يصلح لشيء. وعلى الرغم من كل هذا، فهي، مع الأسف، لا تزال تعتقد أن كل شيء يتم بالشكل الصحيح، وتتمسك برأيها الذي يجافي المنطق في التمسك بنظام دفاعي سيرصد طائراتنا نفسها باعتبارها طائرات "معادية". ولم يكتف هذا النظام بشراء بمنظومة إس-400 الصاروخية التي دفع لروسيا، مقابل الحصول عليها، 2.5 مليار دولار؛ فيما يشبه الجزية؛ حتى تسمح له الأخيرة بالبقاء في المناطق التي يسيطر عليها بمساعدة الجماعات الجهادية، وأن يصبح له كلمة في الحديث عن مستقبل هذا البلد والأكراد السوريين، ضارباً بالقانون الدولي عرض الحائط؛ فراح يسترضي ترامب في أوساكا في اليابان بطلبه شراء صواريخ باتريوت، ومائة طائرة أخرى من طراز بوينج، في تجسيد كامل لسياساته الواهية. 

وفي محاولتها لتخطي الأزمة الراهنة، تحملت هذه السلطة، بسياستها ضيقة الأفق، التزامات جديدة ستُثقل كاهل الاقتصاد الهش بعشرات المليارات، وستجر تركيا إلى مرحلة أكثر سوءاً قد تعجز خلالها عن الوفاء بالتزاماتها تجاه ديونها الخارجية.

ومع تدهور البنية التحتية للإنتاج المرتبطة بواردات البلاد من السلع الوسيطة والاستثمارية والنمو على أساس إجمالي الطلب، ونشر البيانات الاقتصادية الموجهة من قبل الحكومة والميزانية غير الشفافة، لم يعد هناك الكثيرون الذين يقولون "إن الأمور تسير على ما يرام".

هذا ويجري النقاش، بشكل علني اليوم، عن مدى قدرة تركيا على سداد ديونها الخارجية في أسواق المال العالمية، بعد أن ارتفعت ديون تركيا الخارجية، خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط، إلى 40 مليار دولار؛ لتتخطى بذلك 453 مليار. كان الدين الخارجي يمثل، قبل ثلاث سنوات، 48.7% من إجمالي الدخل القومي لتركيا، أما اليوم، ومع تراجع الدخل القومي، اقترب رصيد الدين الخارجي من 61% من الدخل القومي لتركيا.

لم يعد أمام الدولة حل آخر اليوم سوى الاستمرار في الاقتراض؛ من أجل دفع أجور الموظفين والمتقاعدين ودفع الفائدة على القروض التي سبق اقتراضها، ناهيك عن شراء استثمارات جديدة أو طائرات وصواريخ دفاعية.

ذكرت صحيفة الفاينانشيال تايمز أن حجم سندات اليورو المقومة بالدولار، والتي أصدرتها وزارة المالية التركية، سيكون مليار دولار على الأقل. وهذا يعني أن وزارة المالية ستحقق في ستة أشهر ما يعادل 92% من قيمة القروض البالغة 8 مليارات دولار، والتي تخطط للحصول عليها من الأسواق العالمية في عام.

وعندما نعرف أن الصادرات قد انخفضت بنسبة 14.21% في يونيو، مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، وأن شروط التجارة لم تكن في صالحنا، ندرك أنه لم يعد لدينا خيار سوى الاقتراض. وفي هذه الحالة، لن تنعكس حملات السياسة الخارجية الهوجاء إلا على حساب الغالبية العظمى من السكان الذين يعيشون عند حد الجوع .

والواقع أن التحدي الحقيقي أمامنا هو بالداخل؛ لأن السلطة لا تزال تتمسك بحزم بسياسة الإنكار في كافة تحركاتها في الداخل والخارج، ولم تكتفِ الحكومة بتجاهل المشكلات الموجودة بالفعل فحسب، بل راحت، بما ينافي الواقع، تؤكد أن جميع المؤشرات الاقتصادية آخذة في التحسن، وأن علاقاتنا الخارجية من الولايات المتحدة إلى روسيا والاتحاد الأوروبي عادت إلى مسارها الطبيعي من جديد، وإن لم يمنع هذا أردوغان من التأكيد، بين الحين والآخر، على أن القوى الخارجية تريد تدميرنا.

تحولت تركيا إلى دولة يصعب التكهن بما يدور فيها؛ بسياستها وميزانيتها. فعلى سبيل المثال، عندما يكون الشخص الذي يدير الاقتصاد هو نفسه الذي يقيم أداءه، فمن المؤكد أن أمر كهذا سيقلل الثقة في البيانات الصادرة عنه، كما أن اتباع النهج الذي يقوم على السيطرة على كل شيء وتغيير الحقائق    لا بد أن يؤدي إلى انتهاك أبسط مبادئ كسب الثقة، وبالتالي كان من الطبيعي أن يسيطر على مؤسسة الإحصاء التركية، التي من المفترض أنها هيئة مستقلة، وترتبط فيما يصدر عنها من بيانات بوزارة الاقتصاد. وهذا يخلق مشكلة كبيرة أخرى باتجاه ضياع الثقة فيما يصدر عنها من بيانات.   

ومن ناحية أخرى، تستولي السلطة الحالية تدريجياً على احتياطيات البنك المركزي، التي يفترض ألا تمتد إليها يد إلا في الأوقات الحرجة التي تتعرض لها البلاد؛ ففي حين بلغ العجز النقدي في الخزانة 38 مليار ليرة في الأشهر الستة الأولى من العام السابق، وجدنا أن هذا العدد قد قفز إلى 78 مليار ليرة في الأشهر الستة الأولى من هذا العام.

وفي حين سجل الرصيد النقدي، خلاف الفوائد، عجزاً قدره 30 مليار ليرة في الأشهر الستة الأولى لهذا العام، كان الرصيد الأساسي في الأشهر الستة الأولى من العام الماضي 9.7 مليار ليرة. لذلك، لم يتبق خيار آخر أمام البنك المركزي التركي غير تحويل أجزاء من أموال الاحتياطي لديه إلى الخزانة. وفي المقابل تواصل الحكومة تأكيداتها باستمرار، ومن دون توقف، على أن التضخم سينخفض ​​إلى عدد مُكون من رقم واحد، في ظل مناخ التوسع النقدي الذي تتبعه، وكأن المطالب تؤخذ بالتمني.  

واستمراراً لسياسة الأبواب الخلفية تلك، عمدت الحكومة التركية إلى سياسة يمكن أن نطلق عليها اسم "سياسة سعر الصرف الحر القذرة" التي تقوم، في الأساس، على تعطيل وظيفة ترمومتر سعر صرف العملة، وتركز جهودها نحو اتخاذ خطوات لإنقاذ الاقتصاد وسعر صرف الليرة على المدى القصير. لا لشيء، وإنما لأن اللاعقلانية تدمر كافة الخيارات.

ومع تعمُّق الأزمة الاقتصادية تدريجيًا، عمد أردوغان إلى التوجيه بإعادة انتخابات إسطنبول، التي جرت في 31 مارس، وخسر فيها مرشح الحزب الحاكم بفارق ضئيل. وبعد شهرين ونصف مُنِي  شُركاء الحزب الحاكم بهزيمة ثقيلة للغاية. وبدلاً من أن تُركز الخطابات والتصريحات التي صدرت، من قبل أردوغان أو من قبل بهجلي، على مواجهة أسباب هذه الأزمة، أعطت الأولوية للحديث عن كيفية تعويض الخسارة في المستقبل. 

بدأ الفصل الأول لمسرحية استعراض القوة بطرد محافظ البنك المركزي من وظيفته بالمخالفة للقانون؛ لأن فكرة "كلما كانت خطواتك لاعقلانية، فحينها يصعب التنبؤ بتصرفاتك. وكلما كان من الصعب التنبؤ بتصرفاتك، فإنك ستعوِّض ما فقدته من السلطة بالحفاظ على المخاوف حيةً" من شأنها إعاقة حدوث تغيير في شكل الأزمة الراهنة من ناحية، وإعادة طرح الإصدار الجديد لفكرة "سعر الفائدة سبب ارتفاع التضخم" إلى الأسواق من ناحية أخرى. ومع ذلك، فالفارق الكبير بين سعر المُنتِج وسعر المُستهلك يدل على أن الركود سيستمر في المستقبل بشكل مستقل عن سعر الفائدة؛ حيث تكمن الأسباب الهيكلية للأزمة في ارتفاع الدين الخارجي، وارتفاع تكلفة الإنتاج، الذي يرتبط، في الأساس، بسعر صرف الليرة مقابل العملات الأجنبية، ومشكلة التصنيع المُشوَّه الذي يعتمد في الأساس على الاستيراد من الخارج.

إنهم يريدون من الشعب ألا يربط بين السياسة وأية مشكلة أخرى؛ بدءاً من أولويات الاقتصاد إلى السياسة الخارجية والمطالب المجتمعية، وأن يضع درع "السرمدية" على النظام الرئاسي، الذي جانبه الصواب منذ بداية التخطيط له حتى الآن؛ فالجميع يدور في حلقة مفرغة؛ تُحكم حصارها على السلام الاجتماعي والعدالة والنمو الاقتصادي وجميع عمليات صُنع القرار البيروقراطية والعلاقات مع العالم الخارجي.

وعلى الجهة الأخرى، تقع على المعارضة مسؤولية كسر هذه الحلقة المفرغة، وفتح مجال فسيح للسياسة من خلال تكوين تحالف مجتمعي يعلو فوق الهويات المختلفة. ومن ثم، فأحزاب المعارضة ملزمة، في سبيلها للقيام بهذا، بأن تُبصر ما يُبصره المجتمع، وأن تبذل جهدها لأجل تعزيز الروابط لبناء تركيا جديدة ديمقراطية تعددية، دون الوقوع في فخ "القضية القومية"، الذي يتذرع به النظام الحاكم.

نعم، أزمتنا أزمة بناء كبيرة للغاية؛ إذ لم يعط ما يقرب من 5 ملايين شخص صوتهم لصالح إمام أوغلو في إسطنبول، انطلاقاً من أيديولوجية سياسية خاصة أو لمجرد الحاجة لانتخاب رئيس جديد لبلدية إسطنبول فقط، وإنما منحوا أصواتهم لإفساح المجال أمام لاعبين جدد؛ أملاً في أن يجدوا حلاً لهذه الأزمة الهيكلية، التي تمنعهم من النظر إلى المستقبل بثقة.

وقد سجلت غالبية الناخبين اعتراضها على النظام الحالي بالتصويت للجبهة المقابلة، لكننا ربما نكون مخطئين إذا قرأنا هذا الاعتراض، بوصفة اعتراضاً على أردوغان أو حزب العدالة والتنمية، بقدر كونه تعبيراً عن اعتراض على وضع نعيشه، يشمل السياسة والاقتصاد والتعليم والنسيج الثقافي في الدولة كلها، لا تسطيع السلطة الحالية بهيكلها وعقليتها ونمط إدارتها التغلب عليه.

إن أول ما يجب علينا فعله الآن هو أن نحدد مبادئ هذا الاعتراض وأهدافه، وأن نحوِّله إلى برنامج حل مشترك. وهذا يقتضي منا أن نبادر باتخاذ موقف مُوحَّد تجاه الضغوط التي تمارسها السلطة على الإدارات المحلية، وأن نعمل على خلق سياسة ديمقراطية جديدة متشابكة مع المجتمع .

لذلك، لا ينبغي أن تكون أولوية أحزاب المعارضة هي محاصرة الحزب الحاكم، وإنما يتعين عليها أن تبذل جهدها من أجل توسيع المجال الديمقراطي السياسي الذي ستتدفق من خلاله المعارضة المجتمعية لتقوم بواجبها نحو التقدم خطوات نحو إعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي. 

هذا المقال يعكس آراء الكاتب، وليس بالضرورة أن تأتي متوافقة مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/yasadigimiz-devasa-bir-yapisal-krizdir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.