تركيا وحلف شمال الأطلسي.. قصة زواج فاشل

في قمة لندن هذا الأسبوع، بمناسبة الذكرى السنوية السبعين لحلف شمال الأطلسي، بدت خلافات أحد أقدم الأعضاء مع بقية الأعضاء آخذة في التفاقم.

ففي الفترة السابقة على القمة، تُظهر أفعال تركيا من جديد اتساع هوة الخلاف بين أنقرة والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

لم يُنمّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلماته الأسبوع الماضي عندما رد على الانتقادات التي وجهها نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الوضع الحالي لحلف شمال الأطلسي.

قال الرئيس التركي إن ماكرون "يجب عليه أن يتأكد ما إذا كان في حالة موت دماغي".

جاء اختياره لكلماته رداً على تعليقات ماكرون لصحيفة (إيكونمست) في أوائل نوفمبر، عندما قال "إن ما نشهده حالياً هو حالة موت دماغي يعاني منها حلف شمال الأطلسي".

وماكرون أيضاً من أشد المنتقدين للهجوم التركي على شمالي سوريا.

هذه المشاحنة ليست الخلاف الوحيد بين تركيا وحلفائها في حلف شمال الأطلسي. أصرت تركيا أيضاً بعناد على قرار تشغيل صواريخ إس-400 الروسية المضادة للطائرات، بل وزادت الطين بلة باستخدام طائرات أميركية الصنع من طراز إف-16 وإف-4 المقاتلة لاختبار رادارات النظام في الخامس والعشرين من نوفمبر.

وحذر حلف شمال الأطلسي تركيا مراراً من أن هذه الأنظمة الروسية غير قابلة للتشغيل مع معدات التحالف، وقال إنه ما كان ينبغي على أنقرة أن تشتري تلك الأنظمة من روسيا.

وجُمدّت بالفعل مشاركة تركيا في برنامج بناء وتشغيل الطائرات الأميركية المقاتلة من طراز إف-35 بسبب شراء الصواريخ الروسية. لكن أردوغان ما زال معانداً، بل إنه حتى يفكر في شراء طائرات مقاتلة روسية الصنع من طراز سو-35.

في نوفمبر أيضاً، رفضت تركيا دعم خطة دفاعية وضعها حلف شمال الأطلسي من أجل بولندا ودول البلطيق، ما لم يدعم الحلف تركيا في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد.

قد يرقى هذا إلى أن يكون نقطة انحطاط أخرى في العلاقات بين تركيا والحلف سيرممانها في نهاية المطاف. ورداً على غزو تركيا شمالي قبرص في عام 1974، فرض حلف شمال الأطلسي حظراً على تسليح تركيا، وأُغلقت قواعد الحلف الموجودة عل أراضيها آنذاك. جرى رفع الحظر وإصلاح العلاقات، بل وحتى تعزيزها، في الثمانينيات.

وقال سليمان أوزيرين، وهو خبير تركي في جامعة جورج ماسون، إنه فضلاً عن مشاحنة أردوغان مع ماكرون، فإن شراء تركيا واختبارها لأنظمة صواريخ الدفاع الروسية إس-400، وعرقلة خطة حلف شمال الأطلسي للدفاع عن بولندا ودول البلطيق، هما مثالان على التحول الكبير في المحور التركي.

"المشاحنة مع ماكرون تحرك تكتيكي من جانب أردوغان لإبعاد الأنظار عن هذا التحول... يسعى أردوغان أيضاً إلى كسب تعاطف ترامب، من خلال مهاجمة ماكرون وحلف شمال الأطلسي قبيل قمة لندن".

وبينما يتوقع أوزيرين إمكانية حل بعض القضايا خلال القمة، "فإن أردوغان من المحتمل أن يسعى إلى فرص جديدة للّعب على وتر الشعور بالاضطهاد داخل حلف شمال الأطلسي".

أضاف "يعكس سعي أردوغان لافتعال أزمة مع حلف شمال الأطلسي أيضاً الوضع الأيديولوجي للهيكل العسكري والبيروقراطي الأورآسيوي في تركيا، وانسجامه مع (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين".

وقال أوزيرين إن أردوغان يستخدم عضوية بلاده في حلف شمال الأطلسي تكتيكيّاً "كأداة للتأثير والتفاوض في مواجهة بقية أعضاء الحلف.

"الصراعات، لا التوافق، هي التي تخدم مصالحه في الداخل، وإلى حد ما على المستوى الدولي... لكنه لن يضع عضوية تركيا على المحك، على الأقل الآن، لأن إنهاء العضوية قد يقوده إلى المجهول".

ودفع علي دميرطاش، أستاذ العلاقات الدولية وأحد المساهمين في جهود (ذا ناشيونال إنترست)، بأنه بينما كان يُنظر إلى تركيا في الغالب على أنها مصدر ضرر لحلف شمال الأطلسي، فإن تصريحات ماكرون في الآونة الأخيرة "يجب أن تدق ناقوس الخطر بأن الشقاق بدأ يدب في الحلف بالفعل".

أضاف أن ماكرون "دعا إلى رفع روسيا من قائمة حلف شمال الأطلسي للتهديدات... هذا يتعارض مع إعلان قمة حلف شمال الأطلسي في وارسو عام 2016، والتي أُعلن فيها أن روسيا تشكل أكبر عامل مزعزع لاستقرار أوروبا".

وأشار آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد بحوث السياسة الخارجية، إلى أن المسألة التركية في الوقت الحالي "هي خطر لا تغفله عين بالنسبة للكثير من الحكومات الغربية.

"ليس سراً أن الكثير من الناس لا يثقون في أردوغان... لكن داخل حلف شمال الأطلسي، أود أن أقول إن هناك جهداً متضافراً لتجاوز التحديات السياسية الأوسع، والاستمرار في التعامل مع تركيا كعضو مهم وذي قيمة في الحلف".

ووفقاً لشتاين، فإن تعليقات ماكرون في الآونة الأخيرة "إعادة قولبة لقضية داخلية في حلف شمال الأطلسي ظلت عالقة لفترة طويلة: وهي الطوارئ التي تحدث خارج المنطقة".

أضاف أن "لدى حلف شمال الأطلسي تعريف إقليمي، وسوريا ليست مؤهلة لأن تكون قضية للتحالف... صاغ ماكرون نقده بشكل غريب، لكن محاولة إقصاء قضايا حلف شمال الأطلسي عن الأحداث في سوريا ليست بالقضية الجديدة بالمعنى الدقيق للكلمة... كان هذا صحيحاً في الخمسينيات والآن، في العقد الثاني من الألفية الجديدة".

أيضاً، يعتقد شتاين أنه لا توجد أهمية كبيرة لتحقيق انفراجة في العلاقات بين أردوغان وزعماء آخرين في حلف شمال الأطلسي خلال القمة من عدمه، حيث أن تخطيط التحالف ينطوي على محاذير وطنية.

وقال شتاين إن "أنقرة يمكنها أن تعزل نفسها وتصدر بياناً سياسياً، لكن الحلف أكبر من تركيا".

أحد القضايا الخلافية بين تركيا وحلف شمال الأطلسي، التي يرى شتاين أنها لن تزول في أي وقت قريب، هي قضية شراء إس-400.

وقال "اتخذت تركيا بالفعل القرار السياسي بشراء إس-400، وفضلته على إف-35... إذا كانت أنقرة تريد الدخول في المزيد من صفقات الأعمال مع موسكو، ربما لشراء طائرات سو-35، فإن هوة الخلاف ستتسع".

ودفع دميرطاش بأنه بينما كان لدى تركيا قضايا مع حلف شمال الأطلسي في الماضي، فإنها كانت تعمل بروح الحلف".

وبينما كانت تركيا تفتقر في الماضي إلى التأثير داخل حلف شمال الأطلسي، فإن هذا يتغير بسرعة. السبب في هذا أن تركيا تعلّمت من حظر التسلح الذي فُرض عليها في السبعينيات، وطورت صناعة أسلحة محلية ضخمة، تسمح لها بأن تتحمل بسهولة تبعات أي حظر للتسلح في المستقبل.

وهدد أردوغان مرارا بالسماح لملايين اللاجئين السوريين بالتدفق على أوروبا إذا عارضت الأخيرة سياسات تركيا.

أشار دميرطاش أيضاً إلى أن العلاقات الأميركية التركية تغيرت خلال الصراع السوري.

وقال "على الرغم من التهديدات الأميركية الكثيرة، فإن تركيا تدرك أنها إذا تمسكت بموقفها، فإن الولايات المتحدة سترضخ في نهاية المطاف".

وأشار إلى أن واشنطن لم تفرض بعد أي إجراءات ضد تركيا في إطار قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات بسبب شراء أنقرة صواريخ إس-400. بعد ذلك مضت تركيا قدماً في اختبار رادار إس-400 باستخدام الطائرات إف-16 الأميركية الصنع، كما لو كانت تريد أن "تزيد الطين بلة".

أضاف "هناك الآن تصور بين الأتراك بأن إصرار تركيا وعزيمتها جعلا أميركا تنسحب من سوريا".

يعتقد دميرطاش أيضاً أن "حلف شمال الأطلسي لا يمكنه تحمل خسارة تركيا، وأن تركيا ستظل باقية في حلف شمال الأطلسي، لكي تستمر في التأثير على صناعة قراراته بما يصب في مصلحتها".

وقال إن مغادرة تركيا لحلف شمال الأطلسي ستكون بمثابة حكم بالإعدام على الحلف، وستجعله أثراً بعد عين.

السبب في هذا هو أنه، على الرغم من تحالف تركيا التكتيكي مع روسيا في سوريا، فإن تركيا ما زالت بها قواعد لحلف شمال الأطلسي، وما زالت تسيطر على مضيق البوسفور الذي تحتاجه موسكو لنشر الجزء الأكبر من قواتها البحرية في البحر المتوسط.

وقال دميرطاش "أُشبّه العلاقات بين تركيا وحلف شمال الأطلسي بالزواج الفاشل... كل طرف من الطرفين لا يُكن مشاعر للآخر، لكنهما يجدان نفسهما مضطرين للمحافظة على علاقة الزواج هذه لما فيها من مزايا اجتماعية متعددة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-nato/turkey-and-nato-locked-failed-marriage
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.