تركيا.. ومعضلة فهم مبدأ "حرية التعبير عن الرأي"..

"إن مبدأ 'حرية التعبير عن الرأي' ليس مجرد موضوع للأخبار أو الأفكار اللطيفة أو التي تعتبر غير مضرة أو غير مسترعية للاهتمام فقط، وإنما يتخطى كل ذلك ليشمل كافة الأخبار المعارضة للدولة أو لشريحة من المجتمع أو الصادمة أو المحزنة.. لكن وبكل تأكيد يجب احتضان التعددية والتسامح؛ حيث أنه لا يمكن أن يُقام مجتمع ديمقراطي حقيقي من دون (المختلفين معنا)".
 
تُلخِّص الجملة السابقة الحكم الشهير الذي أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 1976 في القضية المعروفة ﺒِ "قضية هاندي سايد" (نسبة إلى ريتشارد هاندي سايد مالك دار نشر ستيدج وان) والذي وضع أسس حرية التعبير في أوروبا قاطبةً منذ ما يقرب من 50 عامًا، وأعتقد أن محمد ألتان وشاهين ألباي يعرفان جيدا قصدي من ذلك.
وعلى الرغم من أن هذا الحكم يدخل أيضا ضمن مواد قانوننا المحلي (دستور 90)، إلا أنه، وللأسف، لم يستطع أحد أن يقترب حتى من هذا الإطار، بل اعتبر وجود هذه المادة مصدر إزعاج دائم. وقد انعكس ذلك على واقعة شهدتها الصحافة التركية مؤخرًا:

نائب رئيس التكتل البرلماني لحزب العدالة والتنمية يوجه الإهانة إلى أتاتورك!:
أثارت المشاركات التي كتبها حسن أوزونلار نائب رئيس التكتل البرلماني لحزب العدالة والتنمية عن بلدية سامسون، حول مصطفى كمال أتاتورك على وسائل التواصل الاجتماعي ردود أفعال غاضبة؛ الأمر الذي دفع حزب الشعب الجمهوري للتقدم ببلاغ ضده إلى مكتب المدعي العام بولاية سامسون. ومن جانبه، أعلن حزب العدالة والتنمية أنه قام باتخاذ عدد من الإجراءات التأديبية ضد أوزونلار، الذي خاطب أتاتورك في مشاركته على أحد مواقع التواصل بقوله 'أنت الشخص الوحيد الذي نستقبل ذكراه بعزف الموسيقى والمزامير بدلا من قراءة الفاتحة ترحما عليه'، وانتهى الأمر باتخاذ القرار بعزله من منصبه.

كتب نائب رئيس التكتل البرلماني لحزب العدالة والتنمية حسن أوزونلار مشاركات أخرى قدح فيها أتاتورك بعبارات مثل "رجل لا دين له، مدمن الكحول"، وقام بالإضافة إلى هذا بنشر صور تحط من قدر أتاتورك في تركيا.
قال حسن أوزونلار كذلك إنّ "مصطفى كمال ليس تركيًا كي نطلق عليه لقب (أبو الأتراك)" وشابه بين لباس أتاتورك والملابس التي يرتديها اليهود. وقد كتب أوزونلار أيضا تحت صورة تعبر عن "ثورة القبعات"، التي قادها أتاتورك في مسعاه لنقل البلاد إلى الحداثة عبارة "اقتداءً بعادة اليهود في ارتداء القبعات".
لقد أثارت المشاركات التي كتبها أوزونلار غضب واستياء كل من قرأها من المواطنين الأتراك بشكل كبير. ومن ناحيته اعترف أوزونلار، في مشاركة أخرى، بأنه هو من قام بنشر هذه المشاركات، ووجه الحديث إلى متابعيه قائلا:

"أتاتورك هو الرئيس الذي أسس الجمهورية التركية. نحن في مواجهة مع شيئين؛ الأول هو مستغلو الدين، أما الآخر فهو مستغلو أتاتورك. المشاركات التي قرأتموها كانت قد نُشرت من خلال حساباتي الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. وأنا من قمتُ بنشرها بالفعل. ومع ذلك، فهي لا تتعدى كونها مجرد صور على وسائل التواصل الاجتماعي كالتي نراها باستمرار. لم أقدم أي تعليقات من ناحيتي. ما سمعتموه هي تأويلات أخذت القنوات التليفزيونية ترددها فحسب. انظروا هذه هي حساباتي الخاصة. لم أعارض أتاتورك مرة واحدةً. كما أنه لا يمكن اعتبار ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي دليلا على هويتي السياسية. إنني لستُ عدوا لأتاتورك. أنا عدو للمستغلين فقط ".

من جهته أيضا، رفع المحامي طوفان أقجه جوز، الرئيس السابق لحزب الشعب الجمهوري في سامسون، دعوى قضائية ضد حسن أوزونلار أمام المدعي العام. ونقل عن أقجه جوز قوله "توجيه الإهانة إلى أتاتورك يعني إهانة فترة النضال الوطني بكاملها. لا بد أن ينال الشخص، الذي فعل هذا الأمر، عقابه أمام القضاء. نحن هنا في سامسون، في مدينة 19 مايو. كيف تتجاسر على فعل هذا، كيف تجرؤ!  سنحاسبك أمام القضاء. تقدمتُ بشكوى إلى مكتب النائب العام في سامسون".
وعلى الجهة الأخرى، أعلنت رئاسة حزب الشعب الجمهوري في سامسون عن التقدم بشكوى إلى مكتب المدعي العام ضد أوزونلار للسبب نفسه.
جاء هذا الخبر على موقع صحيفة "جمهورييت" على الإنترنت بتاريخ 14 نوفمبر. 
في الواقع، إننا الآن أمام مشكلة مثيرة للاهتمام بحق؛ فلدينا تقييمات غير ملائمة لأتاتورك نشرها أحد السياسيين المحليين من أنصار حزب العدالة والتنمية في سامسون من خلال حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى مشابهته بين قراءة الفاتحة والنفخ في المزامير.
وفي رأيي إننا صرنا اليوم بحاجة ماسة إلى الفصل بين أمرين؛ فنحن قد لا نحبذ إطلاق مثل هذه التصريحات، وهي بالفعل أقوال بعيدة، كل البعد، عن أصول اللياقة في الحديث. ومع هذا يجب علينا أن نضع حدا في تفكيرنا بين أن يرى البعض تصريحات مثل التي نحن بصدد الحديث عنها غير ملائمة أو أن يراها البعض الآخر على العكس من ذلك تماما، وبين أن تتسبب تلك الكلمات في مثول صاحبها أمام القضاء.
تضمن الحكم، الذي أشرت إليه أعلاه، والذي أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد هاندي سايد عام 1976، معايير واضحةً للغاية تفرق بين من يتحدث بكلمات يعبر من خلالها عن عدم إعجابه بشخص وآخر يستدعي الأمر مثوله أمام القضاء بسبب مقولة قالها؛ لذا أرجو منكم أن تعيدوا تقييم التصريحات التي أدلى بها السياسي المحلي التابع لحزب العدالة والتنمية ولكن  في إطار مبدأ " تشمل حرية التعبير عن الرأي كل الأخبار التي  تتعارض مع الدولة أو شريحة من الشعب أو تصدمها أو تزعجها" المذكور في قرار المحكمة، وهو مبدأ ملزم لنا قانونا، بل ويعتبر واحدا من أهم المعايير التي لا غنى عنها في أي مجتمع ديمقراطي.
إذا كنتَ حقا تقصد مؤسس الجمهورية التركية بقولك "نُحيي ذكرى البعض بقراءة الفاتحة والبعض الآخر بعزف الموسيقى"، فلا شك أنك قد تخطيت حدود اللياقة بحديثك هذا، ومع هذا فإن هذه التصريحات لا تعتبر جريمة تستوجب العقاب في العالم المعاصر، أو إذا أردت الدقة في التعبير لا ينبغي أن تصنف كجريمة من الأساس. وأكرر مرةً أخرى وأقول؛ إن عدم مراعاة اللياقة في الحديث شيء، والجريمة شيء آخر تماما؛ فإذا اعتبرنا كل تعبير غير ملائم جريمة تستوجب العقاب، فحينها لا يمكننا التكهن إلى أين سيذهب بنا تفكير كهذا.
أما مسألة إذا كان حزب العدالة والتنمية سيواصل العمل السياسي مع شخص استخدم مثل هذا التعبير أم لا فهذا موضوع آخر لا يهمنا ولا يهم غيرنا؛ لأنه شأن داخلي يخص حزب العدالة والتنمية وحده.
دعونا ننتقل الآن إلى النقطة الأكثر إزعاجا في الموضوع برمته؛ فمن المؤسف حقا أن نرى أعدادا كبيرة من الذين يصفون أنفسهم بالديمقراطيين الحداثيين في تركيا لا يدركون هذه المسألة على النحو الصحيح، بل إن منهم من لا يبدون أي ترحيب بالحديث في أي موضوع يتعلق بمجالات حرية التعبير عن الرأي، بل ويصل الأمر بالبعض الآخر منهم إلى حد الامتعاض من الحديث عن ضرورة تطبيق معايير القانون الدولي، وفي المقابل يبذل هؤلاء جهودا كبيرة حتى لا يتخلفوا عن فكرة "المحلية والقومية" التي يتبناها حزب العدالة والتنمية وأردوغان.
وقد بات واضحا جليا أن من يطلقون على أنفسهم اليوم اسم المعاصرين والحداثيين هم أنفسهم الذين عجزوا عن فهم هذه الموضوعات.
ومع ذلك، لم يتوقف الجانب المزعج في الموضوع عند هذا الحد؛ فهناك جزء كبير آخر من المحافظين المزعومين، الذين يعتبرون أنفسهم الممثلين عن التيار المحافظ في تركيا، يرون أن الكلمات التي لم يراعِ فيها السياسي المحلي بن سامسون حدود اللياقة تظل في نطاق حرية التعبير طالما سمح بها أردوغان، وبالتالي فهو، من وجهة نظرهم تلك، لم يرتكب جرما، ولم يتسبب في حدوث أية أزمة سياسية.
ومن المثير للدهشة أيضا أن هؤلاء المحافظين المزعومين يُعرضون عن الاستماع إلى آراء أخرى، بعيدا عن القيم "المحلية والقومية" التي يتبناها أردوغان، فيما يتعلق بالقضية الكردية وقضايا العقيدة والفساد وحرية التعبير عن الرأي والقضايا الأخرى المتعلقة بقيم الغرب.
يبدو أن المحافظين قد وجدوا صعوبة في إدراك أن اعتبارهم قول أوزونلار "الرجل الذي نُحيي ذكراه بالعزف والمزامير" يقع في إطار حرية التعبير عن الرأي، وأنه يتوافق مع قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية هاندي سايد، وهذا لا بد أن يقودهم أيضا إلى النظر إلى موضوعات أخرى مثل مناقشة أسلوب إداري مختلف في الحكم أو إتاحة الحرية في الحديث عن اختيار الجنس أو فيما يتعلق بأي موضوع آخر مثل القضية القبرصية، انطلاقا من نفس المنطلق، وتحت نفس الضمانة القانونية.
ونتيجة لذلك، لم نعد نرى فارقا بين ما يسمى بالحداثيين أو المحافظين المزعومين لدينا؛ حيث صار كلا منهما صورة للآخر، وصارت أوجه التشابه بينهما تفوق بكثير أوجه الاختلاف.
لقد تلاقت أفكارهما إزاء العديد من الموضوعات الاجتماعية والقومية خاصة فيما يتعلق بفكرة "المحلية والقومية".
وفي الواقع، إن حرية التعبير عن الرأي، بمعناها الواسع، من شأنها اقتفاء أثر الحقيقة دائما سواء أكان النظام يعمل وفق معلومات كاملة وصحيحة، أم كان الوضع على العكس من ذلك؛ أي يعمل على أساس معلومات غير صحيحة وحينها لا يمكن للنظام الاقتصادي أن يكون فعالا في ظل تلك الظروف.
وبناء على ذلك يمكن القول إن توسيع المجال أمام حرية التعبير عن الرأي لا يرتبط بثراء المجتمعات وتقدمها الاقتصادي، وأن العكس هو الصحيح؛ أي أن المجتمعات لا تتحول إلى الرخاء، وتصير مجتمعات ثرية إلا بعد أن يُتاح أمامها مجال أرحب لحرية التعبير عن الرأي.
ليت المحافظين والحداثيين المزعومين لدينا يدركون هذه الحقيقة أيضا...
________________________________________


- هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".
 
- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 

https://ahvalnews.com/tr/guncel/ifade-ozgurlugu-ciddi-bir-istir-ilkeli-olmak-daha-da-ciddidir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.