تركيا وقبول الحركات الإسلامية، كل شيء بحدود

تسببت سلسلة من الفضائح الجنسية التي شهدتها تركيا في الفترة الأخيرة في جذب الانتباه إلى وضع الحركات الإسلامية في البلاد، بينما استغل العلمانيون الفرصة لتجديد دعواتهم بوقف نشاط مثل هذه الجماعات.

غير أن للحركات والمناهج الإسلامية، التي تعرف باسم الطُرق، جذورا عميقة في المجتمع التركي.

وبالإضافة إلى هذا، فإن وجود مثل هذه الحركات لا يقتصر على تركيا وحدها، فهي حاضرة كذلك في مجتمعات غربية.

لكن تركيا تتميز بشيء خاص، وهو التعاون التاريخي بين الحركات الإسلامية والدولة.

ففي القرن السابع عشر، تعاونت الدولة العثمانية مع الطريقة النقشبندية في محاولة لمواجهة التهديد الشيعي المتمثل في إيران الصفوية.

هناك أيضا أمثلة أخرى لا تقتصر فقط على مثل هذا النوع من التعاون: فالدولة لا تجد أي مشكلة في التعاون مع الطرق الدينية، لكنها في الوقت نفسه لا تتردد في قمعها حين تصل عند نقطة ما إلى تشكيل تهديد سياسي.

يمكن الاستشهاد هنا بحركة غولن على سبيل المثال. فحين بدأ أتباع رجل الدين التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة التصرف وكأنهم قوة مسيطرة في أروقة الدولة التركية، تحركت السلطات سريعا في مواجهتهم، واجتثتهم في حملة قمع واسعة النطاق أعقبت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي وقعت عام 2016 والتي تتهم تركيا غولن بالوقوف وراءها.

وفي الماضي، حظر مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، الطرق الإسلامية، ودفعها للعمل تحت الأرض.

كما كان لتحركاته هذه سوابق، بينها ما حدث خلال فترة حكم السلطان محمود الثاني خلال الفترة بين عامي 1808 و1838.

وفي أزمنة أخرى، فتحت الدولة ذراعيها للطرق الإسلامية، مثلما حدث خلال فترة الحرب الباردة حين اعتبرت هذه الطرق حصنا في مواجهة المد الشيوعي.

وعلى نفس المنوال، دعمت الدولة الكثير من أعضاء الطريقة النقشبندية الصوفية داخل مراتبها في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة عام 1980.

في ذلك الوقت، عُين النظام العسكري الكثير من معتنقي فكر الطريقة النقشبندية في مناصب حساسة، رغم تبني السلطة للفكر الكمالي في تلك المرحلة.

وفي السنوات الأخيرة، عين الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي الحاكم أعضاء من حركة إشيك جلار الإسلامية للسيطرة على مؤسسات إعلامية.

كان حسين إشيك هو مؤسس الحركة وواضع عقيدتها، وهو ضابط سابق بالجيش توفي عام 2001. كما كان خلفه أيضا ضابطا بالجيش.

وليس من الصعب بالطبع أن تتوقع أن حركة إشيك جيلار، التي أسسها ضباط بالجيش، كانت موالية للدولة. وهكذا كانت الحركة تدعم وبشكل كامل أي قرار للحكومة، بغض النظر عن جودته.

ويظهر تاريخ العلاقة بين الدولة والطرق الإسلامية أن تركيا حين كانت تشهد وجود طرق إسلامية قوية، فلم يكن بوسع أي حركة إسلامية الهيمنة على الدولة التركية.

فلا الدولة ولا المجتمع يقدر على تحملها.

وعلى سبيل المثال، ورغم القوة النسبية التي تمتعت بها حركة غولن قبل محاولة انقلاب 2016، فإن المرشحين المستقلين الذين دعمتهم في إسطنبول لم ينجحوا إلا في الحصول على 150 ألف صوت في الانتخابات العامة عام 2015، من أصل ثمانية ملايين صوت.

إن قوة الطرق الإسلامية تأتي بشكل كبير من تضامن المجموعة ، وهو أمر يعود بمنافع شخصية على الأعضاء.

لكن بالنظر لقلة عدد الأعضاء نسبيا، فإن مثل هذه الطرق لا تملك أي فرصة حقيقية في مواجهة حكومة عازمة على سحقها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-islamists/turkey-tolerates-islamic-movements-point
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.