تركيا وروسيا ماضيتان في علاقة مشوشة

في إظهارهما للاتحاد، بدا الرئيسان، التركي رجب طيّب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، يعرفان جيداً قواعد اللعبة ومن أين يؤكل الكتف. أظهرت زيارة الرئيس الروسي إلى إسطنبول، لافتتاح خط أنابيب ترك ستريم، ما يربط روسيا بتركيا. لكنها سلطت الضوء أيضاً على المشاكل المستمرة في هذه العلاقة. فمن سوريا إلى ليبيا وملف الطاقة، تواجه روسيا وتركيا تحدي كيفية تعظيم الاستفادة من مصالحهما المشتركة، وفي الوقت ذاته إدارة التضارب في المصالح الأخرى.

وخط أنابيب ترك ستريم المزدوج، الذي سينقل الغاز الروسي إلى تركيا وأوروبا، هو الشق الأقل إثارة للمشاكل في طبيعة العلاقات المعقدة بين البلدين، إذ إنه يحقق المصلحة للطرفين: روسيا وتركيا. ويُظهر بوتين أن الجهود الأميركية الرامية إلى إفشال مشروعاته في قطاع الطاقة في أوروبا لا تحقق مبتغاها. وأمّنت شركة غازبروم مساراً جديداً للتصدير إلى منطقة البلقان، ومن ثم إلى أوروبا في نهاية المطاف، متجاوزاً أوكرانيا.

ومن بداية 2020، سيتم نقل الغاز إلى بلغاريا واليونان ومقدونيا الشمالية عبر تركيا. وبات خط الأنابيب الواصل إلى البلقان من روسيا عبر أوكرانيا ورومانيا معطّلاً، بعد أن ظل في الخدمة منذ ثمانينيات القرن الماضي. إذن، أصبحت تركيا أخيراً نقطة عبور، وليست فقط مستهلكاً كبيراً للغاز.

وفي حفل افتتاح خط أنابيب ترك ستريم هذا الأسبوع، كان أردوغان وبوتين محاطين برئيسي بلغاريا وصربيا، بويكو بوريسوف وألكسندر فوتشيتش. وبات الأمر الراسخ في عقول صنّاع السياسات في أنقرة، أن وضع تركيا الجديد سيعطيها بالضرورة يداً على الاتحاد الأوروبي وروسيا. وسيتبين مدى صحة هذا من عدمه في السنوات القادمة.

في نهاية عام 2022، سينتهي أجل الجزء الأكبر من العقود التي تغطّي ترك ستريم، وستخضع للتفاوض من جديد. وستكون الشروط التي ستحصل عليها شركة بوتاش الحكومية التركية، والشركات الخاصة التي لها صلة بخط الأنابيب، من شركة غازبروم مؤشّراً على ميزان القوة. وتستورد تركيا كميات أقل من الغاز الروسي، والسبب الأول في هذا هو أن المصاعب الاقتصادية أدت إلى تقلص الطلب. أما السبب الثاني فهو استيراد الغاز الطبيعي المسال الأرخص ثمناً من موردين مثل الجزائر وقطر، بل وحتى الولايات المتحدة.

لكن ما يدور في عقل أردوغان وبوتين أكبر من مسألة النفط والغاز، في ظل هذا الوضع المتوتر في منطقة الشرق الأوسط. وروسيا وتركيا متحدتان من جهة أن كل منهما ليست لديه مصلحة واضحة في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة بعد مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني بأمر من البيت الأبيض. كما أن تقليم أظافر إيران ليس بالضرورة خبراً سيئاً، بالنظر إلى أن الجمهورية الإسلامية أفسدت في كثير من الأحيان الجهود الروسية التركية الرامية إلى إبرام اتفاقات في سوريا عبر عملية أستانة. وفي النهاية، فإن طهران صديق وعدو في وقت واحد لكل من أنقرة وموسكو، لكن نشوب صراع في المنطقة بفعل قرارات ترامب الهوجاء ليس في مصلحة أي طرف.

وفي مؤتمرهما الصحفي المشترك، لم يتطرق بوتين وأردوغان بأي شكل من الأشكال إلى موضوع مدينة إدلب السورية التي تسيطر عليها المعارضة، والتي ما زالت نقطة حساسة بالنسبة لتركيا. وتنفذ الحكومة السورية هجوماً جديداً بمساعدة روسيا منذ منتصف ديسمبر. وقد أفرغ هذا الهجوم اتفاقات وقف أعمال القتال التي توصّل إليها بوتين وأردوغان في أكتوبر الماضي من محتواها.

توجه بوتين إلى إسطنبول بعد زيارة مفاجئة إلى دمشق، هي الأولى له على الإطلاق إلى العاصمة السورية. وما من شك في أن أردوغان جاء ذِكره في المباحثات التي أجراها بوتين مع الرئيس السوري بشار الأسد. لكننا وصلنا إلى نقطة باتت فيها هناك نتيجتان فقط لهما جدوى في إدلب: إما أن تسيطر الحكومة السورية على المدينة، وهو ما سيؤدي إلى نزوح المزيد من اللاجئين إلى تركيا، أو أن تتولى تركيا السيطرة المباشرة على أجزاء من المدينة، على أن يسيطر الأسد على الأجزاء المتبقية. ومن المرجح أن يكون لبوتين دور كبير في اتخاذ قرار بهذا الشأن، وإن كان لا يملك القول الفصل في الأمر كله.

تتباحث روسيا وتركيا أيضاً بشأن ليبيا، حيث يدعم كل منهما طرفاً معادياً للطرف الذي يدعمه الآخر. والأولوية الملحّة في الوقت الحالي هي لتجنب نشوب صراع مباشر، في الوقت الذي يقاتل مرتزقة روس في صف قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة خليفة حفتر، بينما يدعم الجيش التركي ووكلاء أنقرة حكومة الوفاق الوطني في طرابلس. ودعا بوتين وأردوغان من إسطنبول إلى وقف إطلاق النار بحلول منتصف ليل 12 يناير، لكن من المشكوك فيه أن يلتزم أي من طرفي القتال بهذه الدعوة. ولدى تركيا كلمة مسموعة عند حكومة الوفاق الوطني، لكن روسيا ليست في الموقف الذي يسمح لها بكبح جماح حفتر، الذي حقق نصراً باستيلائه على مدينة سرت الساحلية. ويحظى حفتر بدعم من الجارة مصر، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة. وعلى عكس سوريا، ليس لدى روسيا بالفعل جنود على الأرض.

وأثبت بوتين أن لديه مرونة وانفتاح على التعامل مع أردوغان، لكنه لا يملك نفوذاً مطلقاً في سوريا، ونفوذه في ليبيا أقل بكثير. وتقول المحللة الروسية ماريانا بلِنكايا إن "الجانب السلبي في النفوذ الروسي في الشرق الأوسط هو أن هذا النفوذ صار أسيراً لسمعة رجلها القوي. من المتوقع الآن أن تتدخل روسيا عملياً في جميع الصراعات الإقليمية، بينما يتوقع زعماء محليون أن تكرر سياستها تجاه سوريا في ليبيا". ونظراً لعدم تناسب التوقعات مع ما هو ممكن، فإن أقصى ما تستطيع روسيا وتركيا فعله هو الاستمرار في هذه العلاقة المشوّشة، ومن ثم فإن بوتين وأردوغان مستمران في هذه المسرحية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-russia/turkey-and-russia-muddling-through
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.