ترسيخ المعتقد السياسي التركي: وصف من يساعد المعارضة بالشيطان

اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البلديات التي تديرها المعارضة بمحاولة تشكيل "دولة موازية" من خلال إطلاق حملات خيرية خاصة بها لمساعدة الأسر ذات الدخل المنخفض خلال جائحة فيروس كورونا.

وقد حظرت وزارة الداخلية حملات المساعدة التي أطلقتها البلديات في ظل انتشار الوباء في 31 مارس الماضي وفتحت تحقيقا في تلك التي يديرها عمدة حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في أنقرة واسطنبول الأسبوع الماضي.

ثم أطلق أردوغان حملته الخاصة لجمع الأموال على الصعيد الوطني.

في الواقع، يسبق إصرار حزب العدالة والتنمية الحاكم، ويتمثل في أردوغان، على أن حملاته وخدماته فقط مشروعة.

هذا الوضع ليس مفاجئًا من حيث مسار الاستبداد في تركيا. حيث إذا ازدهرت السلطوية دون أية عقبات، فإنها تصل إلى مرحلة التحول إلى عقيدة سياسية.

وفي هذه المرحلة، يصبح من غير المقبول حتى إجراء حملات خيرية بشكل مستقل.

ويتم تعريف العقيدة في السياق على أنها مفهوم يأخذه العلم السياسي من الأدب الديني. لا يُنظر إلى الإجراء كونه جيدًا أو سيئًا كمعيار مناسب – حيث من اتخذ الإجراء والغرض منه يتم وضعهم في الاعتبار.

على سبيل المثال، من المعتقدات الراسخة في العديد من الأديان أن الملحد لا يمكنه الذهاب إلى الجنة، بغض النظر عن مقدار ما يفعلونه من خير. هذا النهج تم تحويله إلى العلوم السياسية: وهو بغض النظر عن مقدار ما تفعله من خير، فهذا لا يحسب إلا إذا قمت بذلك للحكومة أو القائد.

وفي المعتقدات السياسية، يدور الخير والشر الآن حول من يقوم بعمل ما. تم التعبير عن هذا بشكل أفضل من قبل جورج أورويل في روايته "1984"، حيث تم تعذيب بطل الرواية من قبل السلطات حتى يقبل فرضيتهم الحسابية التي تقول بأن "اثنين زائد اثنين يساوي خمسة".

مثال مماثل هو "تجريم توزيع الخبز المجاني على الفقراء". ووفقًا لهذا الفهم، فمن الطبيعي أن يتم تجريم عمدة المعارضة في تركيا الآن لتوزيع الخبز أو بناء مستشفى ميداني. وكان السبب في ردود الأفعال هذه التي يتخذها حزب العدالة والتنمية تجاه حزب الشعب الجمهوري، هو فوز الأخير في الانتخابات المحلية الأخيرة.

ناضل حزب الشعب الجمهوري منذ فترة طويلة في الانتخابات خارج معاقله التقليدية. ومع ذلك، فإن الفوز بالبلديات الرئيسية في البلاد في اسطنبول وأنقرة أعاد إحياء الأهمية السياسية للحزب ومكانته، وهو الآن يشكل تحديًا أكبر لهيمنة حزب العدالة والتنمية.

ليس من الممكن للحكومة - المنهكة اقتصاديًا والتي خسر خطابها الفكري جاذبيته الواسعة - اتخاذ موقف متماسك ضد عمدة أنقرة، عضو حزب الشعب الجمهوري، منصور يافاش عندما يعد بدعم السكان ذوي الدخل المنخفض خلال تفشي الوباء. لكن حزب العدالة والتنمية، الذي يؤمن بمعتقداته السياسية، لم يعد يعتقد أن المعارضة يمكنها القيام بأي أعمال حسنة النية.

يتم شيطنة جميع مكونات كتلة المعارضة الآن بالكامل من قبل الحكومة. وقد أعلنت الحكومة بالفعل حزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد عدواً للحكومة، وأطاحت بالعشرات من رؤساء البلديات بموجب مرسوم حكومي، وقامت بمقاضاة العديد من أعضاء الحزب بموجب مزاعم إرهابية زائفة.

ومن خلال اتهام بلديات أنقرة واسطنبول التي يديرها حزب الشعب الجمهوري بإقامة "دولة موازية"، فإن ذلك يظهر أن جميع مكونات المعارضة يتم النظر إليها الآن مثلما يُنظر لحزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد.

لا ينبغي أن ننسى أنه تم اختيار عمداء حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المحلية الأخيرة من قبل أنصار الحزب الصالح، وحزب السعادة الإسلامي (سعدت)، وكذلك حزب الشعوب الديمقراطي. لذا فإن الإيحاء بأن أولئك الذين يوزعون الخبز المجاني هم "خونة" ينكرون بشكل أساسي شرعية المعارضة بأكملها.

لقد شاهدنا جميعًا مقاطع فيديو لرؤساء الدول الاستبدادية مثل كوريا الشمالية وتركمانستان التي يصفق لها الناس. هذا "التصفيق" بالإكراه هو المرحلة الأكثر تقدماً من نهج المعتقدات السياسية.

وبهذه الطريقة تقول السلطات: من الغدر انتقاد الحكومة. أن تكون محايدا هو أيضا خيانة، والصمت خيانة أيضاً. حتى دعم الحكومة قد لا ينقذك. الشيء الشرعي الوحيد هو تقديم دعم كبير للحكومة.

وتختلف تركيا بالتأكيد عن كوريا الشمالية. لكن كل مسؤول تركي تقريباً يتحدث على شاشة التلفزيون يبدأ الآن بالقول "وفقًا لتعليمات رئيسنا ...". وهذا ينقل رسالة مفادها أن كل عمل جيد في تركيا يعود إلى الرئيس.

ما يجعل الموقف أكثر غرابة هنا هو أن العديد من المتدينين لا يضايقهم معاملة الرئيس كإله. ومع ذلك، فإن هذه العادة، التي هي انعكاس للعقيدة السياسية، ستجعل من المستحيل اتخاذ أي إجراء دون قول "بفضل تعليمات الرئيس". وبطبيعة الحال، هذا الانعكاس للعقيدة السياسية في الحياة اليومية في تركيا يعطي عادة صورة غريبة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/authoritarianism/towards-political-orthodoxy-turkey-labelling-opposition-aid-evil
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.