ترسيخاً للاحتلال، تركيا تفتتح كليات جامعية ومنطقة صناعية شمال سوريا

إسطنبول - بات من المؤكد اليوم أنّ أنقرة تسعى بالفعل لتكريس واقع الانفصال والاحتلال لمناطق الشمال السوري، حيث أنّ عدد الرموز والأعلام التركية وحالات التغيير الديموغرافي وطمس الهوية الثقافية التي تشاهد في المدن السورية المحتلة من قبل تركيا، قد لا يوجد لها مثيل على الأراضي التركية نفسها.
وبينما تدّعي الحكومة التركية عدم رغبتها في البقاء بالأراضي السورية، إلا أنها بدأت سريعاً إدخال مؤسساتها الخدمية وموظفيها لمُدن الشمال السوري التي سيطرت عليها قوات موالية لها في إطار عمليتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، كاشفة بذلك عن وجه استعماري قديم مُتجدّد يشمل كذلك الاستيلاء على منازل السوريين وتغيير أسماء بعض الشوارع بأخرى تركية وفرض التعامل بالليرة التركية، فضلاً عن فرض مدارسها ومناهجها وجامعاتها.
واليوم الجمعة، تحدثت الجريدة الرسمية التركية عن أنّ جامعة غازي عنتاب سوف تفتتح ثلاث كليات في بلدات صغيرة بشمال سوريا وهو ما يعبر عن تزايد الوجود التركي بالمنطقة.
وأضافت الصحيفة أن الجامعة ستفتح كلية للعلوم الإسلامية في أعزاز بسوريا وأخرى للتربية في عفرين وثالثة للاقتصاد وعلوم الإدارة في الباب.
وتقع البلدات الثلاث في شمال غرب سوريا إلى الغرب من نهر الفرات وإلى الشمال من حلب في مناطق أرسلت إليها تركيا قوات مرتين في الأعوام الثلاثة الأخيرة لإخراج وحدات حماية الشعب الكردية ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في محاولة لحماية حدودها.
وشهدت البلدات الثلاث تفجيرات ألقي بالمسؤولية في بعضها على الدولة الإسلامية وعلى المقاتلين الأكراد في البعض الآخر.
وبنت أنقرة من قبل مستشفيات ورممت مدارس ودربت مقاتلين في شمال غرب سوريا، وتقول تقارير إعلامية تركية إنها تعتزم إقامة منطقة صناعية هناك لتوفير وظائف لسبعة آلاف شخص.
وعلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حذرت تركيا من أنها قد تقوم بعمل عسكري في شمال شرق سوريا بمنطقة تسيطر عليها وحدات حماية الشعب إذا لم تمض الولايات المتحدة في إنشاء "منطقة آمنة" هناك كما هو مخطط.
وتدعم الولايات المتحدة قوات تقودها وحدات حماية الشعب هزمت تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا بينما تعتبر تركيا الوحدات تنظيما إرهابيا.
كانت أنقرة وواشنطن اتفقتا فيما سبق على إنشاء منطقة آمنة على الحدود إلى الشرق من نهر الفرات حيث تتمركز قوات أميركية أيضا. لكن الرئيس رجب طيب أردوغان قال إن تركيا ليس لديها خيار سوى التحرك منفردة هناك في ظل عدم إحراز تقدم في المحادثات مع الولايات المتحدة.
وتقول تركيا إنها تريد توطين ما يصل إلى مليوني نازح سوري في المنطقة الآمنة، وفي الأسبوع الماضي نشرت قناة (تي.آر.تي خبر) التركية تفاصيل عن خطط أنقرة لإقامة مشروع بتكلفة 151 مليار ليرة (27 مليار دولار) لإسكان ما يصل إلى مليون شخص.
وتُعتبر بوابة التعليم الخطّة الأخطر في عملية التتريك للمناطق السورية التي تُسيطر عليها أنقرة من خلال فصائل سورية مسلحة موالية لها، وذلك نظراً لفرض اللغة والتاريخ التركيين على الطلبة السوريين بكل ما يحمله ذلك من عملية تزوير للعديد من الحقائق والوقائع التاريخية والثقافية والعلمية على حدّ سواء من وجهة نظر تركية عثمانية بحتة.
ووزّعت تركيا كتبها المدرسية على 360 ألف تلميذ داخل المناطق التي سيطرت عليها في إطار عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” شمالي سوريا، في كلّ من مُدن “عفرين” و”جرابلس″ و”الباب” و”أعزاز″ و”جوبان بي” و”أخترين” و”مارع″.
كانت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية زعمت أنّ عملياتها العسكرية ساهمت بشكل كبير في عودة آلاف السوريين إلى ديارهم بعد تطهير المنطقة من "الإرهاب"، حيث شرعت تركيا في استغلال مجالات خدمية عديدة، في مقدمتها القطاع التعليمي.
وكانت جامعة حران التركية، قد أعلنت العام الماضي عن افتتاح فرع لها في منطقة الباب السورية لخدمة الطلاب في البلدات الواقعة تحت السيطرة التركية.
وشهد عام 2018، افتتاح معهد عالٍ للتعليم المهني في مدينة جرابس شمالي سوريا، ويضم حاليا 500 طالب يواصلون دراستهم الجامعية.
يقول تقرير توثيقي نشرته مؤخراً شبكة "ميدل ايست اونلاين" اللندنية: أن تزور مدن جرابلس، إعزاز، الباب، وعفرين في شمال سوريا في ظل السيطرة التركية يعني أنه من الممكن أن تكون بحاجة لمترجم تركي– عربي عند تحويل النقود أو زيارة المشفى أو الدخول إلى المدارس وما تسمى المجالس المحلية التي أمست مخافر مدنية وأوكاراً استخباراتية للدولة التركية على الأراضي السورية.
كما من الممكن أن تعتقد وللوهلة الأولى بأنك في تركيا وليس في مدن سورية قاومت العثمانيين في زمنٍ ما وهويتها الثقافية والاجتماعية والسياسية متميزة عن ما هو سائد في إزمير وميرسين حيث معقل الشوفينية التركية.
والتأكيد على أنك سوري في تلك المناطق قد يُعتبر إقحاماً وقحاً وغير منطقياً للهوية السورية، وذلك بعد ثلاثة أعوام فقط من تدنيس الجنود الأتراك للأراضي السورية.
وعلى سبيل المثال، تُقدّم مؤسسة البريد والبرق التركية (PTT) خدماتها في المناطق السورية، للموظفين الأتراك والمواطنين السوريين معاً في المنطقة، حيث تلبي المؤسسة احتياجات الصيرفة والخدمات اللوجستية والشحن، وتقدم بالليرة التركية رواتب المدرسين والموظفين العاملين في وقف "المعارف" التركي بالمنطقة، والجنود الأتراك، فضلا عن رواتب الشرطة المحلية.
 

This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.