تصاعد الجدل حول الدور العثماني في لبنان

بيروت - أثارت مقاطع في خطاب الرئيس اللبناني ميشيل عون بمناسبة إطلاق برنامج مئوية "لبنان الكبير"، في 31 أغسطس الماضي كثيراً من ردود الأفعال، داخل لبنان وتركيا معاً، حيث انبرى مسؤولون أتراك للرد عليه، وأدانت وزارة الخارجية التركية ما ورد في خطاب الرئيس عون حول الحقبة العثمانية في لبنان، معربة عن استنكارها الشديد لتصريحاته.

وأعلنت وزارة الخارجية والمغتربين في لبنان الثلاثاء الماضي عن استدعاء السفير التركي للاستيضاح منه حول بيان خارجية بلاده بشأن تصريحات الرئيس اللبناني ميشال عون. وكانت الخارجية اللبنانية استهجنت البيان الصادر عن وزارة الخارجية التركية بشأن الرئيس ميشال عون، معلنة إدانتها ورفضها لطريقة التخاطب مع الرئيس اللبناني الذي تحدث عن أحداث تاريخية واجهها لبنان في ظل الحكم العثماني.

وكان الرئيس عون قال في خطابه إنّ كل محاولات التحرر من النير العثماني كانت تقابل بالعنف والقتل وإذكاء الفتن الطائفية، وإن إرهاب الدولة الذي مارسه العثمانيون على اللبنانيين، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى، أودى بمئات آلاف الضحايا، ما بين المجاعة والتجنيد والسخرة.

بعد ذلك قامت مجموعة، الخميس الماضي، بوضع لافتة على بوابة السفارة التركية في بيروت، وعليها علم تركيا مع صورة جمجمة مغطاة بالدماء، وعبارة "انتو كمان انضبّوا" (أنتم أيضا الزموا حدودكم) علقوها على بوابة السفارة.

ونقلت الأناضول خبراً أفادت فيه بأن ناشطين لبنانيين مساء الخميس، أطلقوا وسما بعنوان "#خلافتنا_نور_عهدكم_ظلام"، عبر موقع "تويتر"، مستخدمين صورا للعلم التركي والسلطان عبد الحميد الثاني، وذلك في إشارة إلى رفضهم تصريحات الرئيس اللبناني ميشال عون ضد الدول العثمانية.

وعلى إثر ذلك استدعت وزارة الخارجية التركية السفير اللبناني لدى أنقرة، غسان المعلّم، على خلفية عمل استفزازي تعرضت لها السفارة التركية في بيروت، ونقلت له انزعاج أنقرة من الاستفزاز.

هل هناك ودائع عثمانية في لبنان؟
هل هناك ودائع عثمانية في لبنان؟

وبالحديث عن الجدل الذي أثير مؤخراً في لبنان عن الدور العثماني التاريخي فيه، نشر الكاتب اللبناني سجعان قزي مقالاً بعنوان "رجوع جمال باشا" في ميدل إيست أونلاين بلندن، تحدث فيه عن جوانب من النقائض التي شابت أحاديث من حاول الدفاع عن دور السلطنة العثمانية وممارساتها في لبنان.

قال قزي إنه ليس معنياً بتأثير موقف الرئيس عون من العثمانيين على العلاقات اللبنانية - التركية التي يحرص عليها، بل بفضحه العلاقات بين اللبنانيين. ولفت إلى أنه كانت صدمة كبيرة بالنسبة له أن يجد لبنانيين، وقد مرت مئة سنة على تحررهم، ينتفضون غيارى على السلطنة العثمانية التي احتلت لبنان مدة 400 سنة. وتساءل: "كيف لهؤلاء الأشخاص أن يحبوا جلاديهم ومحتليهم على حساب الوطن؟ اللهم إلا إذا كانوا ودائع عثمانية."

وأشار قزي إلى أن كيف يمكن للبنانيين أن يختلفوا على ظلم العثمانيين، وأن هذا "يعني أن لم يبق شيء نتفق عليه". ووصف الأمر بأنه "طعنة لا لشهداء تلك الأزمنة السوداء فقط، بل للشراكة الوطنية. وإذا الذين تسابقوا لتبييض صفحة العثمانيين لا يمثلون بيئتهم، فليبادر من يمثلون تلك البيئة إلى إسماع صوت الوطنية، والوفاء للشهداء، والولاء للبنان دون سواه."

أثار قزي عدداً من الأسئلة للبنانيين، منها: لمَ يصون البعض عرض العثمانيين وقد انتهكوا أعراضنا؟ هل استبدلت العروبة بـ"العثمنة"؟ هل كان يجدر برئيس دولة لبنان أن يصف مرحلة الاحتلال العثماني بالفترة الذهبية؟ بزمن الحرية والورد الجوري؟ وماذا عن اجتياح العثمانيين جبل لبنان سبع مرات في حقبة المعنيين سنوات 1523 و1544 و1585 و1607 و1613 و1614 و1633؟ وماذا عن سحق حركة تحرر الأمير فخر الدين الثاني ثم قتله سنة 1635؟ وماذا عن اضطهاد والي عكا أحمد باشا الجزار الشهابيين؟ وماذا عن الإيقاع بين المسيحيين والدروز والمشاركة في مذابح 1840 و1842 و1845 و1860؟ وماذا عن مجازر جمال باشا ومجاعة الجبل في الحرب العالمية الأولى؟ وماذا عن شهداء ساحة الشهداء؟ ألغيتم عيدهم في 6 أيار - ويا للعار - لكنكم لا تستطيعون إلغاء الشهداء.

وتوجه إلى أولئك المدافعين عن العثمانيين بالقول: "قد نجد مبررا لو حفظتم ذكرى إمبراطورية عربية نقلت إلينا الحضارة والحداثة، أما أن تدافعوا عن إمبراطورية عثمانية شكلت مع المماليك، في التاريخ العربي - الإسلامي، عصر الانحطاط الذي امتد من سنة 1258، تاريخ سقوط بغداد، حتى سنة 1798، تاريخ حملة نابليون على مصر، فهذه سقطة عظمى. لقد احتقرت السلطنة العثمانية العرب، وأذلت خليفة المسلمين المتوكل على الله، وقهرت اللبنانيين وقتلت منهم مئات الآلاف."

نوّه قزي في مقاله إلى أن هناك التباساً كبيراً حول علاقة السلطنة العثمانية بالخلافة الإسلامية العربية. وأنه سواء أكانت السلطنة العثمانية مركز الخلافة الإسلامية أم لا، فإنها دولة الاحتلال والمذابح في لبنان. وحين نتكلم عن السلطنة لا نعني تركيا اليوم. فالجمهورية التركية الحالية - على الأقل حتى مجيء أردوغان - هي وريثة تركيا أتاتورك وليس تركيا العثمانية. وقال إنّه استنادا إلى هذه القطيعة الوراثية رفضت تركيا الاعتراف بمسؤوليتها عن الإبادة الأرمنية سنة 1915. وأصلا، إن لبنان يتعاطى مع دولة تركيا الجديدة كدولة صديقة ويعتبر علاقاته معها ضرورية ومفيدة وتقدم له خيارات استراتيجية. لذلك لا يفترض بحكومة تركيا أن "يأخذ على خاطرها" إذا انتقدنا السلطنة العثمانية. وتساءل كذلك: هل تغضب حكومة ألمانيا حين يندد الأوروبيون بألمانيا النازية؟ وأكّد أّن السلطنات والأنظمة القمعية لا تستطيع أن تضطهد الشعوب وتنتظر منهم الشكر والعرفان.