تساؤلات حول حقيقة أول سيارة تركية محلية الصنع

في إعلان أثار ضجة إعلامية كبيرة، كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي النقاب عن نماذج أولية لأول سيارة في البلاد يتم تصميمها وتصنيعها محليا، بيد أنه لا تزال هناك أسئلة كثيرة لم تتم الإجابة عليها بخصوص جدوى المشروع.

فبدلا من تصنيع طرز من سيارات شركة (ساب) السويدية، مثلما أُعلن عنه من قبل، ستدشن تركيا خط إنتاجها من السيارات الكهربائية التي ستتضمن سيارتين جيب وطرازين من السيارات الصالون وطراز من السيارات العائلية الكبيرة.

من المقرر أن تبدأ مجموعة المشاريع المشتركة للسيارات (تي.أو.جي.جي)، وهي كونسورتيوم يضم خمس شركات قابضة واتحادا تجاريا، الإنتاج في العام 2022 في منشآت بغرب تركيا صُممت لتصنيع 175 ألف وحدة سنويا.

وستكون أول سيارة يتم إنتاجها من طراز السيارات الرياضية متعددة الأغراض (إس.يو.في) من الفئة C تصممها شركة (بينينفارينا) الإيطالية. ومن المتوقع أن يبدأ إنتاج سيارة سيدان فور دخول طراز الإس.يو.في إلى مرحلة الإنتاج.

سيحتاج المشروع الذي تدعمه الحكومة إلى استثمار بقيمة 3.7 مليار دولار، وسيتمتع بتخفيضات ضريبية شاملة وتخصيص أراض مجانية إلى جانب أسعار فائدة مخفضة.

وقال رفعت حصارجيكلي أوغلو، رئيس اتحاد الغرف وبورصات السلع في تركيا، إن المشروع المشترك سيوفر فرص عمل لما يقرب من 20 ألف شخص، من بينها وظائف في مجال إنتاج قطع الغيار، مضيفًا أن السيارة التركية ستصبح علامة تجارية عالمية في العقد القادم.

وذكر رجل الأعمال أن تركيا قد أضاعت من قبل فرصة تطوير سياراتها الخاصة بها في ستينات القرن العشرين، عندما فشلت الجهود المبذولة لإنتاج سيارة محلية يطلق عليها اسم "ديفريم" (ثورة).

جرى إطلاق مشروع السيارة ديفريم في العام 1961، حين أعطى الرئيس التركي آنذاك جمال كورسل مسؤولية تطوير أول سيارة في البلاد إلى السكك الحديدية التركية. وقد بدأ فريق من 20 مهندسا المشروع في محافظة أسكي شهر الواقعة وسط منطقة الأناضول، وطوروا نموذجا أوليا في أربعة أشهر ونصف الشهر لعرضه في أنقرة في الذكرى الثامنة والثلاثين لتأسيس الجمهورية.

وكان من المفترض أن تقل السيارة الرئيس كورسل لوضع إكليل من الزهور على ضريح مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، لكن السيارة توقفت على مسافة 100 متر بعدما ركبها الرئيس لأن الفريق قد نسي إعادة ملء خزان الوقود. وتم التخلي عن المشروع بعد ذلك. 

إن تركيا لديها بالفعل قطاع كبير لتصنيع السيارات مع شركات أجنبية تعمل في البلاد مثل رينو وفيات وفورد وتويوتا وهيونداي، والتي تصنع طرز سياراتها.

ولم تتوقف تركيا عن بذل جهود مماثلة عقب مشروع ديفريم. ففي العام 2012، أسست جامعة حجة تبة في أنقرة شركة أُطلق عليها اسم (إي.في.تي موتور) لأعمال البحث والتطوير من أجل تصنيع أول سيارة كهربائية في البلاد. قام فريق من 11 مهندسا بتطوير أول نموذج أولي لهم تحت اسم (إي.في.تي إس1) في العام 2015 وقدموه إلى أردوغان. وفجأة تم إيقاف المشروع في العام التالي ونشر إعلان على الموقع الإلكتروني للمشروع يقول: "لقد لاقت (إي.في.تي إس1) نفس مصير ديفريم".

وسواء كانت خاصة أو عامة، لم يحالف أي من مشروعات السيارات المحلية حظا كافيا للتمتع بالدعم الحكومي الهائل الذي يتلقاه كونسورتيوم (تي.أو.جي.جي).

ثمة تضارب في الآراء حول ما إذا كان هذا الدعم الحكومي هو أفضل السبل لتطوير سيارة. فيقول البعض إن الاستثمار في سيارة تحمل علامة تجارية محلية أمر منطقي، حيث أن إنتاج السيارات يعود بفوائد مهمة غير مباشرة على الاقتصاد. بيد أن البعض الآخر، مثل الأكاديمي إيسار كاراكاش أحد المساهمين في "أحوال تركية"، يعترض على تخصيص أموال عامة لمشروع (تي.أو.جي.جي).

فيقول كاراكاش: "هذه السيارة تخلو من أي مزايا يمكن أن تبرر استخدام الأموال العامة لإنتاجها. فهي لا تنطوي على تطوير تكنولوجيا جديدة. ولن تقدم خدمة عامة".

غير أن بوراك دورغوت، رئيس تحرير موقع (داكتيلو 1984) الإلكتروني الليبرالي، قال إن الدعم الحكومي في المراحل المبكرة لمثل هذه المشاريع أمر شائع، مضيفا أنه على الرغم من سخافة مزاعم الحكومة التركية بأن تلك السيارات ستكون محلية بالكامل، إلا أن الاستثمار يبدو منطقيا.

وذكر دورغوت أنه يجب على الحكومة بأي حال من الأحوال أن تتوخى الحيطة والحذر عند تمويل مثل هذه المشاريع الكبرى. وأوضح قائلا: "ماذا ستفعل الدولة إذا فشل المشروع؟ هل ستكون هناك أي عقوبات؟ يجب على الدولة أن تتخذ بعض التدابير الاحتياطية".

وقال آيكان أردمير، وهو عضو سابق في البرلمان التركي وكبير مديري برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن تركيا تحتاج إلى محفزات لإنتاج ذي قيمة مضافة عالية. وأضاف: "ذلك لا يتحقق عن طريق تصنيع منتج ترعاه الحكومة تحت سيطرة الدولة، بل من خلال تعزيز المناخ المناسب للاستثمارات والثقة في مبادرات رواد الأعمال".

وقال أردمير إنه ينبغي للحكومة أن تركز على إزالة العقبات الهيكلية التي تمنع المستثمرين الأتراك من أن يصبحوا لاعبين عالميين ويحققوا نموا ذاتيا".

وأضاف: "النهج الحالي سيعزز الاقتصاد الموجه ورأسمالية المحاسيب، مما يزيد من إبعاد تركيا عن اقتصاد السوق المبني على القواعد".

كانت تركيا تاسع أكبر سوق للسيارات في أوروبا حتى شهر نوفمبر من العام الماضي، وفقا لما ذكره اتحاد موزعي السيارات. جرى بيع حوالي 316 ألفا و427 سيارة في البلاد في الفترة بين شهري يناير ونوفمبر من العام 2019، بانخفاض نسبته 26 في المئة مقارنة مع 2018. ومن ثم، فإن هدف (تي.أو.جي.جي) المتمثل في إنتاج 175 ألف سيارة سنويا يعادل نحو نصف مبيعات السيارات الجديدة في تركيا.

ولم تصل مبيعات السيارات الكهربائية في تركيا حتى إلى مستواها في الاتحاد الأوروبي، الذي بلغت فيه نسبتها ما يزيد قليلا عن اثنين في المئة.

قال الرئيس التنفيذي لشركة (تي.أو.جي.جي) الجديدة محمد غورجان قره قاش في مقابلة مع قناة (سي.إن.إن ترك) هذا الأسبوع إنه من المستحيل معرفة السعر الذي ستبيع به الشركة السيارة الجديدة. من ناحية أخرى، تراوحت تقديرات وسائل الإعلام لسعر السيارة بين 70 ألف ليرة (11 ألفا و766 دولارا) و300 ألف ليرة (50 ألفا و427 دولارا).

يبلغ عدد السيارات التي تستخدمها المؤسسات العامة في تركيا 115 ألف سيارة، وتعهدت الحكومة بشراء 30 ألف سيارة من السيارات المنتجة محليا حتى نهاية العام 2035.

وقال الخبير المالي سيفا كابالي أوغلو إن الحكومة تخطط لتحويل 90 مليون ليرة (15.1 مليون دولار) إلى المنتجين المحليين بدلا من الشركات الأجنبية، على افتراض أن السيارة المحلية ستباع بسعر 300 ألف ليرة.

وقال كابالي أوغلو إن الحكومة ستدفع للمشروع 360 مليون ليرة (60.5 مليون دولار) لتوظيف عاملين مؤهلين، وستكون (تي.أو.جي.جي) مسؤولة عن إنتاج الروبوتات وخطوط إنتاج المصانع. وأضاف: "ستحاول الدولة أن تجعل الشركة مربحة إلى أقصى حد ممكن"، مشيرا إلى أن الهدف الرئيسي للحكومة هو تقليص الواردات.

وذكر كابالي أوغلو أن الحكومة ستقدم حوافز للمستهلكين فور طرح الطراز الأول للسيارة المحلية في السوق. وفي سبعينات القرن الماضي، دعمت تركيا الشركات المحلية من خلال سياسة إحلال الواردات، وفرضت قيودا وضرائب مرتفعة على السلع المستوردة.

ويقول دورغوت إن الأتراك في تلك الفترة وجدوا أنفسهم في موقف صعب، لأن السيارات المجمعة داخل تركيا كانت باهظة الثمن أيضا. ولا يمكن لتركيا اليوم أن تقدم تخفيضا ضريبيا خاصا للسيارة المحلية لأن ذلك سينتهك قواعد المنافسة. وأضاف دورغوت: "لكن يمكنها أن تلغي الضرائب على السيارات الكهربائية. وقد يكون هذا مفيدا حتى للشركات الأجنبية التي تستثمر في تركيا".

تفتقر تركيا أيضا إلى البنية التحتية اللازمة للسيارات الكهربائية، فمبيعات السيارات الكهربائية الجديدة على مستوى البلد تستلزم التطوير السريع لشبكة من محطات الشحن في جميع أنحاء البلاد، مما يعني ضخ الحكومة لمزيد من الاستثمار.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkish-automobile/questions-hang-over-turkeys-first-domestically-built-car
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.