تسليح جزر بحر إيجة هي قضية وجود لليونان

رحبت اليونان في البداية بقرار تركيا الأخير بالحد من أعمالها الاستفزازية واستئناف المحادثات الاستكشافية بعد تدخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كان ذلك مصدر ارتياح كبير بعد شهور من انتهاكات القوات العسكرية التركية للمياه الإقليمية لليونان.

إلى جانب الانتهاكات، هدد خطاب أنقرة العدواني بالحرب في كل منعطف، حيث أدلى كبار المسؤولين الأتراك والرئيس رجب طيب أردوغان بتصريحات تحريضية مرارا وتكرارا.

بهذه السطور يبدأ الكاتب فيليب كريسوبولوس مقاله في مجلة كرك ريبوتر وليبدأ بمناقشة ما الت اليه ما عرف بالمحادثات الاستكشافية، اذ لم تنظر أثينا إلى الدعوة إلى محادثات استكشافية جديدة على أنها جادة وستسفر عن تنازلات تركية، ولهذا أثارت أنقرة بسرعة قضية نزع السلاح من جزر بحر إيجة.

ثم تلا ذلك تطور تركي آخر، فبعد اجتماع لمجلس الأمن القومي التركي، برئاسة الرئيس أردوغان، ظهر تجريد الجزر من السلاح فجأة كشرط لاستئناف المحادثات.

ثم جاء في بيان أخر صادر عن أردوغان قوله: "تحث تركيا الدول التي تنتهك القانون الدولي، فيما يتعلق بنزع السلاح من الجزر على وجه الخصوص، على التصرف باستخدام الفطرة السليمة" ، مشيرا إلى اليونان.

كما قال أردوغان إن تركيا لن تتنازل عن حقوقها بشرق البحر المتوسط.

وكان من الواضح أن هذه كلمات لا تأتي من شخص يريد التفاوض.

وينتقل الكاتب الى الموقف اليوناني قائلا، أما أثينا فقد كان ردها سريعا: نزع السلاح من جزر بحر إيجه مسألة غير قابلة للتفاوض.

بالنسبة لليونان، لا تزال ذكريات الغزو التركي لقبرص حية، حتى بعد  عاما46، فالروابط بين البلدين قوية للغاية، اي بين قبرص واليونان، حيث إنهما الدولتان الوحيدتان الناطقتان باليونانية في العالم.

ويعود الكاتب التذكير بدرس التاريخ قائلا، إذا نظرنا إلى الوراء في التاريخ، فإن إزالة القسم اليوناني في قبرص في أواخر عام 1967 وأوائل عام 1968 من قبل المجلس العسكري ترك الجزيرة غير محمية. مما سهلت على تركيا غزو البلاد عام 1974 بحجة حماية القبارصة الأتراك.

اليوم، لدى تركيا رسميًا 17000 جندي في قبرص كقوة لحفظ السلام وأنشأت الدولة الزائفة "الجمهورية التركية لشمال قبرص" ، والتي لا تعترف بها أي دولة أخرى في العالم، أو حتى الأمم المتحدة.

وفقًا للأمين العام للأمم المتحدة، في السنوات الأخيرة، كان هناك ما يقرب من 30 ألف جندي تركي متمركزين في الجزيرة. يتساءل المرء ما الذي يجعل أنقرة تحتفظ بمثل هذه القوة العسكرية الكبيرة في بلد عضو في الاتحاد الأوروبي.

ويتحدث الكاتب عن اطماع تركيا، قائلا، أصبحت الميول التوسعية لتركيا وأوهام أردوغان بإحياء الإمبراطورية العثمانية العظيمة في الماضي – وهو يتخيل مع نفسه في دور السلطان العظيم - واضحة وخاصة عندما تحدى المجتمع الدولي من خلال تحويل آيا صوفيا إلى مسجد.

وبحسب الكاتب، تُظهر أنقرة بوضوح ميولها التوسعية، نظريا وعمليا. خريطة "الوطن الأزرق"، التي تضم العديد من الجزر اليونانية في بحر إيجه ومعظم تراقيا، إلى جانب أجزاء من الأراضي الأجنبية خارج حدود تركيا الشرقية، هي "النظرية الأردوغانية التوسعية".

ويضيف دعونا نفترض أن تلك الخريطة مخصصة للاستهلاك الداخلي فقط ولإرضاء الجماهير التي تتبع اردوغان وحزبه والتي تواجه كارثة اقتصادية بعد هبوط الليرة التركية. وهي تتماشى مع العديد من مقاطع الفيديو الدعائية التي تنشرها تركيا مع صور المحاربين العثمانيين عبر العصور وجيش اليوم، إلى جانب أطفال صغار يظهرون إخلاصهم للعلم.

هذه مقاطع فيديو لا يمكن مقارنتها إلا بأفلام الدعاية القصيرة التي صنعتها ليني ريفنستال ذات مرة لألمانيا النازية.

والحاصل انه بينما تتحدث تركيا عن الحوار السلمي، فإنها في الواقع تستعرض قوتها العسكرية عبر العديد من الجبهات. لقد غزت أجزاء من سوريا، وأرسلت قوات وأسلحة إلى ليبيا، وانحازت إلى جانب أذربيجان في النزاع المسلح  ضد أرمينيا.

في الوقت نفسه، تحتفظ تركيا بعدد كبير من القوات في الجزء الشمالي المحتل من قبرص.

اما الصفقة الزائفة مع ليبيا التي تحدد منطقة اقتصادية خالصة تشمل جزءًا من جزيرة كريت هي زلة أخرى لأنقرة تكشف أهدافها التوسعية.

في ضوء تصرفات تركيا وخطاباتها في العام الماضي أو نحو ذلك، فإن الدعوة إلى نزع السلاح من الجزر اليونانية كشرط مسبق لاستئناف المحادثات الاستكشافية لا تبدو ممكنة على الإطلاق بل هو المستحيل بعينه الذي لن تتنازل عنه اليونان لأنه قضية وجود ومصير.