تسييس المشاعر الدينية ورقة أردوغان الجديدة في مهاجمة السعودية

القاهرة - انتقل النظام التركي من الحملات الإعلامية الموجهة ضد السعودية إلى تسييس المشاعر الدينية في الحرم المكي على الطريقة الإيرانية بعد أن فشلت كل تحركاته السابقة في تشويه صورة المملكة وتطويقها أو تحجيم دورها كقوة إقليمية وازنة.

وكان قد استغل قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في أكتوبر 2018 ودفع بكل ثقله لتسييس القضية وتدويلها، ضمن حملة لم تهدأ إلى اليوم، إلا أن حملته باءت بالفشل أيضا.

ويبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استنفد خياراته في هذا الاتجاه وكان لابد من طريقة أخرى تشبه إلى حدّ كبير تلك التي اتبعتها إيران طيلة عقود للتشويش على الدور السعودي لانتزاع مكاسب سياسية.

ومهدت طهران في السابق لتسييس الحج فيما كانت هذه المشاعر بمعزل عن الشؤون السياسية والقضايا الإقليمية والدولية. وقد اعتبر المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي تسييس مناسك الحج "واجبا دينيا وتكليفا شرعا"، وفق ما ورد في خطابه الذي نشر على موقعه الرسمي على شبكة الانترنت في السنوات الأخيرة.

وكشف مرصد الفتاوى التكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية قبل أيام أن النظام التركي عمد إلى "تكليف إحدى المنظمات لتوفد بعثة عمرة إلى الأماكن المقدسة وتجهز لها تصويرا بالفيديو (يخترق حشود المعتمرين بين الصفا والمروة) ليُظهر الأتراك وهم يرددون هتافات مناصرة للمسجد الأقصى بالقول "بالروح بالدم نفديك يا أقصى".

وقد أدان المرصد هذا السلوك واعتبره محاولة لإقحام المناسك الدينية في العمل السياسي دون اعتبار قدسية المكان وخصوصيته بحيث لا يجوز تدنيسه بالأجندات السياسية لأي دولة أكانت تركيا أو غيرها.

والتصرف التركي أقرب للمزايدة السياسية منه للدفاع عن القضية الفلسطينية، فزعماء العالم الإسلامي لم يخرجوا عن سياق الموقف السعودي من خطة السلام الأميركية، فقد أجمعوا على حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس مبادرة السلام العربية التي طرحتها الرياض في 2002.

ولتحقيق أجندته السياسية في المنطقة عاد أردوغان مجددا لاستخدام ورقة القضية الفلسطينية من خلال تسييس المشاعر الدينية، مروجا لنفسه زعيما للعالم الإسلامي ومدافعا شرسا على حقوق الفلسطينيين في الوقت الذي يربط فيه علاقات تجارية وسياسية قوية مع إسرائيل.

وبالفعل لم يبخل الرئيس التركي على الفلسطينيين بالمزايدات بين الحين والآخر وبدعم الجماعات الإسلامية الفلسطينية ومنها حركة حماس دون غيرها، معمقا الانقسامات الفلسطينية.

وكان التوظيف السياسي التركي لافتا منذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته للسلام في الشرق الأوسط المعروفة باسم صفقة القرن، فقد هاجم أردوغان السعودية متسائلا عن موقفها في الوقت الذي لم يطرأ فيه أي تغيير على الموقف السعودي الرسمي من القضية الفلسطينية.

وكان في خطابه إيحاء بأن المملكة تتماهى مع الإعلان الأميركي، إلا أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود ذكّر بموقف بلاده الثابت من القضية الفلسطينية بعيدا عن المزايدات السياسية والضجيج الإعلامي الذي يثيره الرئيس التركي حول هذا الملف.

ومنذ قمة كوالامبور التي استضافتها ماليزيا بحشد وتدبير تركي لخلق هيئة موازية لمنظمة التعاون الإسلامي التي تتخذ من جدة مقرا لها وتعتبر الهيئة الجامعة لمسلمي العالم، انتقل أردوغان إلى مرحلة أخرى بعد فشل تلك القمة، مراهنا على الاستقطاب الديني.

وترى بعض القراءات أن الدفع الذي يمارسه الرئيس التركي والحشد ضد المملكة سرا وعلانية أضعف من أن يحقق أهدافه في ظل صلابة ووجاهة الموقف السعودي من مجمل القضايا الإقليمية والدولية بما فيها القضية الفلسطينية.  

وذهبت تلك القراءات إلى أن هذا ما يفسر محاولة أردوغان استنساخ التجربة الإيرانية في تسييس الشعائر الدينية في الحرم المكي وتوظيفه لصالح أجندة الزعامة الواهية التي يلهث خلفها منذ توليه السلطة.

ويقول مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية، إن الدفاع عن المسجد الأقصى وحماية المقدسات الإسلامية لا يعني تدنيس الحرم المكي بالعمل السياسي والشعارات السياسية.

وأشار إلى أن "الهتاف بنصرة المسجد الأقصى ينبغي أن يوجه إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي وليس الحرم المكي، فما جرى من جمعية منظمة شباب الأناضول المدعومة من الأجهزة الأمنية والإعلامية التركية ليس إلا استغلال للشعائر الدينية لتحقيق مكاسب إعلامية وشعبية لدى الجماهير البسيطة بادعاء مناصرة المسجد الأقصى والقضية الفلسطينية".

ولفت المرصد في بيان كان قد أصدره الأسبوع الماضي إلى "أن القضية الفلسطينية باتت واجهة لتحسين صورة الكثير من الدول والكيانات الإرهابية التي تستخدم واجهة الدفاع عن المسجد الأقصى وهي أبعد ما تكون عن القضية الفلسطينية، فمؤخرا أصدر المتحدث الإعلامي باسم تنظيم داعش بيانا صوتيا سعى فيه إلى توظيف القضية الفلسطينية للعودة إلى الواجهة وتحقيق الحاضنة الشعبية المفقودة وهو الدأب نفسه الذي تقوم به الدولة التركية من محاولة غسل لأيديها من دعم الإرهاب وتحسين سمعتها الدولية عبر رفع شعارات دعم ومساندة القضية الفلسطينية".

وأشار المرصد كذلك إلى أن توظيف الدين خدمة للأجندة السياسية والتوسعية في المنطقة، بات سياسة دأب عليها النظام التركي، مذكّرا بتوظيف للمساجد التركية في أوروبا "لتكون بوابة للتجنيد والعمل السياسي، الأمر الذي أضر كثيرا بصورة المسلمين وأوضاعهم في الخارج".كما كان لافتا أن الرئيس التركي استخدم المنابر الدينية وحشد الأئمة لدعم تدخلاته العسكرية الخارجية التي أججت التوترات في المنطقة، معتبرا محاولته تسييس المشاعر الدينية في الحرم المكي توظيفا سياسيا واستعراضيا.