تامر جيلينغر
يونيو 15 2019

طوبال عثمان: كان كل شيء؛ كان يمنع ويشنق ويذبح

"مهما كان من ناضل ضده والهدف الذي كافح من أجله طوبال عثمان أغا قديمًا فإننا نحن أبناء "غيرسون" سنواصل العمل والكفاح ضد من يريدون حاليًا تنفيذ نفس المشروع الخائن، وسوف نُحبط ذلك المشروع الغادر إن شاء الله...".

خلال انتخابات بلدية إسطنبول، أدلى نائب رئيس حزب العدالة والتنمية "نور الدين جانيكلي" بتلك التصريحات في خطاب ألقاه في ولاية "جيرسون" يوم 3 يونيو 2019.

وبعد يوم واحد من ذلك كان أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري في "جيرسون" أيضًا يرد قائلًا: "ثمة قيم أتمسك وألتزم بها".

"إنني ملتزم بحدود الميثاق الوطني لتركيا بلدي الجميل، وبقادته، وجنوده، وبجدي، وأجدادكم، وبـ"طوبال عثمان"، وبراية هذا البلد، وهوائه، ومائه، وطبيعته، والقيم التي تأسس عليها، وبالجمهورية، والديمقراطية، وبمن فتح السبيل أمام أبنائنا للقدوم من الأمس إلى اليوم والوصول إلى المستقبل، بــ "مصطفى كمال أتاتورك" الزعيم الوحيد لهذا البلد...".

حسنٌ؛ فمن هو طوبال عثمان؟

إنه واحد من أوائل العملاء السريين، ورد اسمه في الصحافة العالمية على أنه "القاتل السفاح"، وبحثت عنه المحاكم العثمانية عام 1919 وأدانته بسبب الجرائم التي ارتكبها خلال الإبادة الجماعية للأرمن باعتباره عميلًا سريًّا (يمكننا أن نعتبره "سلف" جهاز الاستخبارات الوطنية اليوم) للمنظمة الخاصة (تشكيلات مخصوصه) المنظمة السرية التابعة لجمعية الاتحاد والترقي، وسُفكت على يديه دماء 353 ألف شخصٍ فقدوا حياتهم في الإبادة الجماعية اليونانية في بونطس ما بين عامي 1914- 1923. 

وتورط هو وعصابته في قتل الأكراد والعلويين بأمر من مصطفى كمال أيضًا و"نور الدين باشا" قائد الجيش المركزي في "كوجغيري" عام 1921، وقام بدور أيضًا في القضاء على "يحيى قبطان" العميل السري للمنظمة الخاصة كذلك والتي نظمت بأمر من مصطفى كمال عملية قتل "مصطفى صبحي" المنتمي للحزب الشيوعي التركي  و14 شخصًا من رفاقه، وهو منْ قتل عام 1923 "علي شكري" نائب طرابزون الذي كان معارضًا لمصطفى كمال في المجلس، فأمر مصطفى كمال في النهاية بقتله، وعُلق رأسه مفصولًا عن جسده عند مبنى المجلس في عام 1923، وهو من استخدمته الجمهورية التركية في كل عمليات الدولة السرية وتنظيماتها، ثم قتلته لاحقًا كي لا تبقي دليلًا ورائها، إنه طوبال عثمان عضو التنظيمات العصابية.

بالطبع لا يفعل طوبال عثمان هذا كله من تلقاء نفسه. إن رائده وقائده هو مصطفى كمال؛ ينفذ بأمره كل هذه الجرائم. وفي عام 1923 كان سيتولى هو وعصابته من جيرسون مهمة حماية مصطفى كمال في "جانكايا".

وذلك كي لا ينكشف أن مصطفى كمال هو من أصدر الأمر بتنفيذ جريمة قتل علي شكري نائب طرابزون، ويُحكم بقتل طوبال عثمان إذ لم تعُد هناك حاجة إليه. وفي عام 1925 بنى مصطفى كمال قبرًا تذكاريًا في جيرسون لطوبال عثمان ليعيد إليه مكانته.

وقد تضمن مقالٌ نشرته صحيفة نيويورك تايمز يوم 10 يوليو 1921 بعنوان "700 ألف يوناني ضحايا الأتراك" العبارات الآتية:

"بمجرد وصول عثمان أغا الرئيس القاتل السفاح إلى صامسون ثاني أيام العيد قتل 10 من اليونانيين. بعد ذلك تم القبض على 800 موظفًا من العاملين في شركة التبغ الأميركية وأُخضعوا لعمليات تهجير مجهولة الهدف. لاحقًا تمت مداهمة الحي اليوناني، وقُبض على 150 يونانيًّا ونُفُوا إلى مناطق داخلية.

أما سكان الــ 30 قرية الذين تم تهجيرهم بالشكل نفسه فقد تعرضوا لمذبحة جماعية في الطريق. بينما أُشعلت النيران في القرى التي عارضت أمر التهجير وحُرِّقت، وقُتل سكانها بغض النظر عن أعمارهم وجنسهم. لقد سجلت اللجنة الأميركية التي وصلت المنطقة هذه الفظاعة والبشاعة. ثم أخذت معها العظام المحترقة التي كانت عرضتها على الوالي التركي هناك."

وفي عام 1912 كتب الشاهد على تلك الفترة والمؤرخ غ. فلفانيس ما يأتي:

"مرافقو اليونانيين (خلال عمليات النفي)، قوات الدرك والمجرمون المدانون التابعون للسجناء المحكوم عليهم ويشكلون 90 بالمئة من قوات الدرك التركية، والسجناء الهاربون، والقتلة المحترفون، كانوا يدفعون هؤلاء المساكين إلى الأماكن التي يتربص بها الأتراك المسلحون في القرى المحيطة المحددة سلفًا. وقد احتجزوهم هنا حتى منتصف الليل حيث بدأ سماع أصوات الأسلحة تأتي من كل اتجاه وكانت علامة على هجوم ضد شعب صامسون الذي لم يكن لديه خبر بأي شيء."

كان طوبال عثمان يقتل، وينتهك الأعراض، ويُلقي في النيران العديد من الضحايا أحياءً. وكانت الأوامر بالاعتقال تصدر في صورة مجموعات مصحوبة بأعمال السرقة والاغتصاب والمذابح. وكان المعتقلون يُسجنون في مدارس وكنائس أُحرقت لاحقًا ويُقتلون. أما من حُبسوا في الكهوف فكانوا يموتون مختنقين بسبب ضخ الدخان فيها.

ويصور الروائي "حسن عز الدين دينامو" الحادثة تحت عنوان "قصة الرجل ذي القلب المحترق" في الجزء الثاني من روايته المسماة "التمرد المقدس".

فوفقًا له فإن مصطفى كمال مفتش الجيش الــ 9 الذي أُرسل من إسطنبول إلى صامسون بهدف التحقيق في الشكاوى المثارة ضد طوبال عثمان، ومعاقبة الفاعل اتخذ موقفًا على النقيض تمامًا. حيث التقي شخصيًا بعثمان طوبال الذي سمع بشهرته، وواصل حديثه معه وقد قال له "سنعمل جنبًا إلى جنب من الآن فصاعدًا":

"طالما أن الشعب التركي يساندك تمامًا؛ فلا تتوقف أبدًا، وجهز منظمتك. سِرْ وتربع على منصب رئاسة البلدية. وليهرب اليونانيون وأبناء "بونطس" بدلًا من أن تهرب أنت وتتخفى في الجبال. وما إن يتبين أنهم يتحركون بشكل غير قانوني نقوم بتصفيتهم."

وعليه يجيبه طوبال عثمان هكذا: "لا تقلق أبدًا سيدي القائد! سوف أنشر رائحة على شعب بونطس هؤلاء يموتون جميعًا بسببها في الكهوف مثل الدبابير، وينتهون".

أما "مصطفى حق يمز" الذي يعتبر طوبال عثمان منقذ جيرسون (كان أمينًا للعصابة التي كانت تسمى المحاربون المستقلون في جيرسون. وكان في سن الــ 82 حين تمت مقابلته) فإنه يتحدث كيف أن عثمان أنزل راية بونطس في "طاش كيشلا" ورفع الراية التركية مكانها فيقول:

"لقد أنقذنا من الثوار اليونانيين. حيث وضع في جوالات تم تثقيلها بالحجارة المسؤولين الرئيسين بين اليونانيين، وألقاهم في البحر."

أما الكاتب "مراد يوكسل" فيقول في كتابه الذي تحدث فيه عن عثمان طوبال:

"لم يُصغ أحد على الإطلاق إلى مناشدات واستغاثات شعب جيرسون المنكوب. لم يهتم أحد بشكاواهم.

الأرشيف الذي في مبنى المحكمة مليء بالشكاوى ضد عثمان طوبال. لكن قوة سرية لم تكن تكتفي بمجرد استخدام عثمان طوبال، بالعكس كانت تسمح له بتسلق التسلسل الهرمي عقب كل مذبحة وشكوى. كان طوبال عثمان الضابط الأعلى رتبة في جيرسون. كان كل شيء. كل الخيوط كانت في يده. يصدر الأوامر، وينهى. ويشنق، ويذبح. لم يقل أحد ولو حتى كلمة من أجل معارضته."

في الواقع هناك شكاوى ورسائل كتبها إلى مصطفى كمال وإلى المجلس وقتها العديد من الأشخاص من أقوام مختلفة وموظفو الدولة.

وينشر "جمال شنر" في كتابه المسمى "واقعة عثمان طوبال" مجموعة من الوثائق ذات الصلة.

وبناء على نقل طوبال عثمان منصب قائم مقام جيرسون إلى الجبل كانت الشكوى التي كتبها "قارا غالب" والي طرابزون حينها واحدة من تلك الشكاوى:

"ظهر في جيرسون قاطع طريق يقتل الناس، ويعترض طريقهم، ويجمع منهم الجزية. أنقذونا من هذا المجرم."

كان طوبال عثمان الركن الثاني في مشروع تطهير هذه الأراضي من المسيحيين بهدف إقامة دولة تركية ومسلمة، والاسم الأكثر أهمية في تنفيذ الإبادة الجماعية لليونانيين البونطس/ الهيلين. 

الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب الأرمني، واليوناني/الهيلين والأكراد المذكورة في أحلك الصفحات في تاريخ الجمهورية تمثل في الوقت نفسه واقع الدولة البالغ 100 سنة.

فسياسات دولة الجمهورية التركية ضد الشعوب المضطهدة استمرت منذ 100 عام على نفس المنوال.
وبالتالي فليس من المستغرب أن يعبر المتحدثون الرسميون باسم السلطة والمعارضة عن ولائهم لطوبال عثمان.

ومن المؤسف أن كل كفاح زُعم القيام به يكون ناقصًا بدون أية مواجهة مع التاريخ الرسمي والأيديولوجية الرسمية للدولة، ومواجهة هذا التاريخ الدموي.

الآلاف من اليونانيين/ الهيلانين والمسلمين من أصحاب الضمير الذين فقدوا حياتهم في البحر الأسود يعرفون جيدًا اسم طوبال عثمان.

•    هذه المقالة تعكس آراء الكاتب. وليس بالضرورة أن تكون دائمًا متوافقة مع سياسة "موقع أحوال تركية" النشرية ومنظورها التحريري.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/topal-osman/topal-osman-her-seydi-yasakliyor-astiriyor-kesiyordu &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.