تعيين أوصياء على البلديات في ضوء دستور عام 1921

أشرتُ في مقالتي السابقة إلى أنه كي نتمكن من مناقشة الشكل الذي يجب أن تكون عليه عملية صياغة دستور جديد يتصف بأنه دستور مدني ديمقراطي فإنه سيكون من الصواب لو أننا تذكرنا سوياً المراحل، التي مرت بها تركيا من ناحية الحقوق الدستورية، بداية من عام 1921 حتى اليوم، مقارنة بمراحل إعداد الدساتير حول العالم، وخصائص كل منها وسماتها. 

ومع ذلك، فإنني أرى أنه من الضروري أن نتوقف قليلاً في هذا المقال، قبل البدء في الحديث عن قانون التشكيلات الأساسية، أو ما عُرِف باسم (دستور 1921)، لمناقشة ما يعنيه عزل رؤساء البلديات الأكراد التابعين لحزب الشعوب الديمقراطي في ديار بكر وفان وماردين، وقيامهم، بدوافع سياسية لديهم، بتعيين أوصياء بدلاً منهم، هم في حقيقة الأمر امتداد للحكومة.

الواقع أننا أمام نظام رقابة مركزية صارم قطع الطريق أمام أي وجود لديمقراطية تعددية تشاركية في تركيا؛ يتولى الولاة والمحافظين والمديريات التابعة لهم (الأمن والتعليم والصحة والسياحة والزراعة والسياحة والأشغال العامة..) تسيير أمور الهيكل الإداري والسياسي في الدولة بشكل أقل ما يقال عنه أنه يُذَكِّر بنموذج الإدارة في عهود الاستعمار البائدة.

بسطت الدولة بذلك نفوذها وسيطرتها الكاملة على كل كبيرة وصغيرة تدور في المجتمع، أو بمعنى آخر، أن الدولة تمارس تسلطها، بشكل كامل، على المجتمع، لدرجة أننا صرنا أمام حالة من تأميم المجتمع ذاته لصالحها.
أرادت الحكومة، بالإضافة إلى مُصادرة إرادة الناخبين، بتعيين أوصياء بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين من الشعب، أن تؤكد سلطانها على البلديات، وارتباطها بشكل كامل بالإدارة المركزية في البلاد، وخاصة فيما يتعلق بمسألة التمويل، مما يعني أن إرادة الشخص الواحد قد عطَّلت إرادة الناخب على المستوى المحلي.

أعتقد أننا نخادع أنفسنا عند مناقشة مسألة تعيين الأوصياء بالنظر إلى النظام الحالي؛ لأن المناقشة عادة ما تبدأ انطلاقاً من فرضية أن تلك الإجراءات، التي شابهت ما قامت به القوى الاستعمارية من قبل، أمر مشروع. من الواضح أنه لا يمكن للشخص التفكير داخل خطوط حمراء. لا يمكننا التفكير بشكل فعلي إلا عندما نتجاوز نطاق التفكير النمطي الذي حوصرنا بداخله.

لسوء الحظ، فإن المناقشات العقيمة حول مسألة تعيين الأوصياء تُبرز هذا الأمر بوضوح؛ فلا يمكن التوصل إلى حل للمشكلة ما دمنا نحصر فكرنا في مناقشة مدى شرعية قيام الحكومة بعزل رؤساء البلديات المنتخبين، وتعيين أوصياء تابعين لها بدلاً منهم؛ لأن المشكلة في النهاية هي مشكلة النظام، وبالتالي فالحل يكمن في الانتقال من نظام الحكم المركزي الاستعماري المظلم إلى نظام الحكم اللامركزي، حيث يتم نقل بعض صلاحيات الحكومة المركزية إلى الحكم المحلي. وفي الحقيقة، إن مسألة نقل بعض الصلاحيات إلى الحكم المحلي لا تكتسب أهميتها، باعتبارها مسألة ديمقراطية تتعلق بالشأن المحلي في المناطق التي يسكنها الأكراد فحسب، ولكن باعتبارها مسألة بالغة الأهمية للدولة بكاملها.  

عزّزت الكثير من البلدان حول العالم وحدتها السياسية من خلال تطبيق نظام الحكم الذاتي الفيدرالي وشبه الفيدرالي كما هو الحالي في دول مثل الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمملكة المتحدة وألمانيا والنمسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا وفرنسا (منطقة كورسيكا الخاصة، المنطقة ذات الوضع الخاص وسويسرا ...).

والاتحاد الروسي والصين (الدول المستقلة ذات الحكم الذاتي- هونج كونج، ماكاو) والهند وباكستان والعراق والأرجنتين والبرازيل والمكسيك وبوليفيا وفنزويلا وجنوب إفريقيا وإثيوبيا وماليزيا ونيجيريا والصومال ...

الواقع أنه لا سبيل للحديث عن النظام الرئاسي وصلاحياته قبل تطبيق النظام اللامركزي وتقوية يد البرلمان والقضاء بمنحهم الاستقلال والذاتية في اتخاذ القرارات. أما بالنسبة إلى النظام المطبق اليوم في تركيا فهو حالة شاذة بالفعل، وليس من دواعي فخرنا أن نقول إنه نظام سلطوي، على الطريقة التركية، يدفع بالبلاد نحو دوامة الفاشية.

 هل فكرنا لمرة واحدة، بعد اتخاذ هذه القرارات، في أن تطبيق اللامركزية في الحكم، التي نتحاشى الحديث عنه، على الرغم من أن الكثير من دول العالم يطبقه منذ سنوات، سيعمل على تعزيز الوحدة السياسية، ونشر الديمقراطية في تركيا؟ أعتقد أنه سيكون من الأفضل الآن لو عدنا للحديث عن قانون التشكيلات الأساسية (قانون 1921).

لقد انطلقت حركة التحرر الوطني في تركيا، من داخل المؤتمرات المحلية والإقليمية، مروراً بمجلس سيواس، وتكللت باجتماع مجلس النواب بصورته الحالية بصفته القانونية والشرعية. 

كانت هناك حاجة، خلال هذه المراحل، إلى وجود دستور جديد، يحدد الأطر والقواعد الخاصة بالنظام الجديد في الدولة، الذي تشكَّل في ظل ظروف الكفاح الوطني خلال هذه الفترة. وكان النص الذي أعده وفد النواب التنفيذيين، والمعنون ڊ "قانون التشكيلات الأساسية" الخطوة الملموسة الأولى باتجاه وضع الدستور الجديد للدولة.  

وعلى الرغم من أن النص الذي تم تقديمه إلى الجمعية العامة في 18 سبتمبر 1920 كان يحمل عنوان "مسودة الدستور"، إلا أنه من ناحية المحتوى لم يتعد، في مواضع كثيرة منه، كونه مجرد برنامج حكومي. 

والجانب المثير للاهتمام في هذا الإعلان، أنه استخدم عبارة "الشعب التركي" في حديثه عن التركيبة السكانية. وتحت هذا المصطلح، عرَّف الشعب التركي، من زاوية الوحدة السياسية ووحدة الأرض، باعتباره حشد من الناس يعيشون مسالمين، دون النظر إلى اختلاف الأعراق والتوجهات السياسية. (بولنت تانور- التطورات الدستورية العثمانية- التركية).

ويعتبر دستور عام 1921 هو النموذج الديمقراطي الوحيد للتجربة الدستورية العثمانية التركية من حيث إعداده، ودرجة التوافق عليه، ويضمن مواد تمثل كل منطقة، وكل طبقة وشريحة من شرائح المتجمع، على عكس دستور عام 1876، الذي لم يتعد كونه مجرد مرسوم أعدته لجنة مُعينة من قِبَل السلطان العثماني. وحتى بعد إدخال بعض التعديلات عليه عام  1909، كان هناك أيضا شركاء مناهضون للديمقراطية مثل مجلس الأعيان العثماني، والسلطان الذي كان يجب الحصول على تصديقهما في كل كبيرة وصغيرة. 

 وفي حين  كان البرلمان، الذي يتألف من الأفراد، الذين يدينون بترشيحهم ومقاعدهم البرلمانية لمصطفى كمال أتاتورك، هو الذي تولى مهمة صياغة دستور عام 1924، جاء دستور 1961  و 1982 نتيجة للانقلاب العسكري الذي حدث ذلك الوقت.

من ناحية أخرى، أدى عدم تعرض القانون الأساسي، الذي لم يكن نظاماً دستورياً حقيقياً، للمسائل الدستورية الأساسية مثل الحقوق والحريات الفردية والسلطة القضائية؛ لذلك ظلت لوائح قانون عام 1876 سارية أيضاً. من هنا عرفت هذه الفترة بأنها فترة الدستور المزدوج.

وعلى الجهة المقابلة، كان قانون التشكيلات الأساسية، الذي صدر على الأراضي التركية في عهد الإمبراطورية العثمانية، يتحدث عن أن" مجلس الأمة التركي هو الذي يتولى مهمة إدارة الدولة التركية"؛ مما يعني أنه كان يتحدث عن دولة حديثة، عن دولة تركيا، كما جاء انتهاء الدولة العثمانية رسمياً بقرار من مجلس الأمة التركي آنذاك في 30 أكتوبر عام 1922.

كان إطلاق اسم "دولة تركيا" وليس "الدولة التركية" ذا مغزى؛ لأن الثاني كان يمثل وحدة الكفاح الوطني المؤلفة من العناصر التركية وغير التركية المناهضة للإمبريالية. وتمت الإشارة في العديد من المصادر التاريخية، لا سيما في وثائق مؤتمرات أرضروم وسيواس، إلى هذه الوحدة أحيانًا بعبارات من قبيل "الأغلبية الإسلامية" و"جموع العناصر الإسلامية". 

ومن المزايا الأخرى الهامة لقانون التشكيلات الأساسية أنه منح الشعب الحق في السيادة؛ حيث تُعتبر المادة 1 من القانون الأساسي، التي تبدأ بعبارة "سيادة الأمة أمر حتمي لا تراجع عنه" نقطة تحول حادة في تاريخ الدستورية العثمانية التركية، من حيث أنها أخذت حق السيادة من الملك، وأعطتها للأمة دون قيد أو شرط.

تنص المادة 1 كذلك على أن: "يقوم الحكم استناداً إلى مبدأ حق الشعب في إدارة مقدراته"، مما يعني أن قانون التشكيلات الأساسية قد أقر ديمقراطية نيابية، وليس ديمقراطية مباشرة أو شبه مباشرة. وكان مجلس الأمة آنذاك، أو كما كان يطلق عليه اسم (الجمعية التشريعية الكبرى)، هو الممثل الوحيد والحقيقي للشعب التركي في ذلك الوقت. 

تبنى قانون التشكيلات الأساسية كذلك صراحة مبدأ الفصل بين السلطات بشرط أن "تظل السلطة التنفيذية وسلطة التشريع في يد مجلس الأمة، بوصفه الممثل الحقيقي والوحيد للأمة التركية". هذا يعني أن مجلس الأمة كان يجمع في يده، في ذلك الوقت، السلطة التنفيذية إلى جانب سلطة التشريع.

جمع مجلس الأمة في يده كافة صلاحيات السلطة التنفيذية، وتولى كذلك مهمة إدارتها والرقابة عليها من خلال أعضاء يختارهم من بين أعضاء من المجلس، منتخبين من قبل الشعب، وإذا اقتضت الضرورة يقوم بعزلهم، وتعيين آخرين من الأعضاء المنتخبين كذلك. كان المجلس يتولى كل شيء، ويشرف على كل شيء، ولم يكن هناك وجود لمفهوم رئاسة الدولة بمعناه اليوم. 

وعلى الجانب الآخر، لم يعالج قانون التشكيلات الأساسية موضوع القضاء، وسادت خلال هذه الفترة فكرة أن المجلس يهيمن على سلطة القضاء، واستند هذا الرأي بشكل أساسي على وجود محاكم الاستقلال في تلك الفترة. وكان يُنظر إلى هذه المحاكم، التي تم انتخاب أعضائها من قبل البرلمان، ومن بين النواب، باعتبارها شرط لنظام وحدة السلطات والحكومة البرلمانية.   

كان اجتماع جميع الصلاحيات في يد مجلس الأمة، يعني عدم الحاجة إلى السلطان أو لحكومته أو للدولة القديمة. من ناحية أخرى، دافع مصطفى كمال والمُقرَّبون منه عن مجلس الأمة والحكومة البرلمانية التي يديرها المجلس؛ لاعتقاده بأنه لم تكن هناك حاجة لوجود رئيس يجمع في يده صلاحيات السلطة التنفيذية، ويأخذ مكان السلطان العثماني.  

وفي الجهة المقابلة، دافع معارضو مصطفى كمال عن حكومة البرلمان كذلك؛ لأنهم كانوا يرون أنها السبيل الوحيد لكبح جماح مصطفى كمال، وإزالة مخاوفهم من اتساع سيطرته على الدولة.  (بولنت تانور، المصدر السابق).

وفي رأيي، إن البنود المتعلقة باللامركزية هي الجانب الأكثر بروزًا في قانون التشكيلات الأساسية؛ فقد تم تخصيص 14 مادة من قانون التشكيلات الأساسية، الذي يعد دستوراً مصغراً بمواده الأربع والعشرين، لتحديد أطر الحكم المحلي ومبادئه، وإدارة شؤون الولايات.  

لقد نظم قانون التشكيلات الأساسية شؤون الوحدات الإدارية، التي أُطلق عليها اسم "الولايات"، بمنحها حكماً ذاتياً، وجعل لها شخصيتها الاعتبارية الخاصة بها.. وتُركت سلطة تنظيم الأمور وتسييرها في مجالات الصحة والزراعة والتعليم والأشغال العامة والأشغال في يد المجالس المحلية، في إطار القوانين التي يضعها مجلس الأمة. ومع ذلك، ظلت شؤون القضايا المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية والقضاء والجيش والشريعة والعلاقات الاقتصادية الدولية ضمن اختصاص الحكومة المركزية.

كما تألفت مجالس الولايات من أعضاء منتخبين من قبل السكان في الولاية نفسها، وقسمت الولايات إلى وحدات أصغر مثل "القضاء" و"الناحية"، التي تعتبر أصغر الوحدات الإدارية آنذاك، وأقربها إلى الشعب، وكانت أيضاً كيانات قانونية مستقلة. وكان لكل ناحية مجلسها وحاكمها الخاص، الذي كان يطلق عليه اسم "مدير الناحية"، وكان يتم انتخابه وأعضاء المجلس من قبل الشعب مباشرة.    

واتسمت الوحدة الإدارية المسماة ڊ "القضاء" بالانضباط الإداري، إلى جانب تمتعها، هي الأخرى، بشخصيتها الاعتبارية، بعيداً عن الحكومة المركزية. وكانت حكومة مجلس الأمة هي التي تتولى تعيين حاكم القضاء، الذي كان يُطلق عليه اسم مُعتَمَد أو (قائِمَقَام).

من هنا، يتضح أن قانون التشكيلات الأساسية كان لا يتيح المركزية في الحكم في بعض المجالات الاستثنائية، وفي نطاق محدود للغاية، كما كانت المؤسسات اللامركزية هيئات مُنتخبة وكيانات قانونية، ولها من الصلاحيات والاستقلالية الذاتية ما يمكنها من اتخاذ القرار.  

من ناحية أخرى، كان مَنْح الحكم المحلي في القُرى والنواحي صلاحيات مالية واقتصادية وحتى قضائية، واختيارها عن طريق الانتخاب الحر، فكرةً عن أبعاد الاستقلالية والحكم الذاتي، التي سادت خلال هذه الفترة. وهكذا، بدلاً من النظام المركزي التقليدي، الذي جاء به القانون الأساسي في عام 1876، تم التأكيد على الحكم المحلي الاستقلال الذاتي للإدارات المحلية.

ومع ذلك، لم تتمكن مؤسسات اللامركزية وآلياتها المنصوص عليها في دستور 1921 من إيجاد مجال للتطبيق الفعلي؛ حيث لم تلق مسألة انتخاب السلطات المحلية من قبل الشعب قبولاً لدى الكثيرين. 

وقف مصطفى كمال، الذي أعطى الأولوية للثورات التي تقتضي وجود مركزية في الحكم ضد فكرة الحكم الذاتي لكل ولاية أو ناحية، واستغل ثقله لصالح تدعيم فكرة المركزية في الحكم، وكانت اللوائح التي سيطبقها دستور 1924، إيذاناً بتعزيز المركزية في الحكم مرة أخرى.. وللحديث بقية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kayyimlar/kayyim-atamalari-baglaminda-1921-anayasasi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.