تزايد خصوم تركيا مع تحول خارجية أردوغان إلى وزارة إدانة

تضاعفت العقبات أمام علاقة تركيا مع الغرب خلال السنوات القليلة الماضية وخاصة هذه الأسابيع. وفي الآونة الأخيرة، توترت العلاقات بين تركيا وأوروبا، وفرنسا بالخصوص، بعد انتهاكات أنقرة في شرق البحر المتوسط، حيث يتنافس عدد من الدول على حقوق التنقيب عن الموارد الطبيعية.

تصاعد النزاع بين تركيا واليونان وقبرص بشأن الحدود البحرية وحق الوصول إلى الموارد الطبيعية في شرق البحر المتوسط ​​منذ ظهور خطط لإنشاء خط أنابيب غاز طبيعي لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر قبرص واليونان. وأرسلت تركيا، ردا على استبعادها من المشروع،  سفن أبحاث استكشافية في المياه الإقليمية القبرصية واليونانية المعترف بها دوليا منذ 2019.

كما تضاعفت التوترات بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في يونيو، عندما تعرضت فرقاطة فرنسية كانت في مهمة تابعة لحلف شمال الأطلسي لفرض حظر أسلحة سنّته الأمم المتحدة على ليبيا لمضايقات من سفن البحرية التركية التي كانت ترافق سفينة شحن يشتبه في أنها كانت تنتهك هذا البند حسب فرنسا. ونفت أنقرة هذه الاتهامات وأكدت أن السفينة كانت تحمل مساعدات إنسانية.

في 10 سبتمبر، قال ماكرون إن أوروبا بحاجة إلى أن تكون "واضحة وحازمة" مع حكومة أردوغان بشأن أفعالها، وذلك خلال اجتماع مع زعماء ست دول أخرى في جنوب الاتحاد الأوروبي، أطلق عليها اسم "ميد 7" ، في كورسيكا. وقال إن تركيا "لم تعد شريكًا في المنطقة"، وأنها "كثفت من استفزازاتها بطريقة لا تليق بدولة عظيمة. فالشعب التركي شعب عظيم ويستحق أفضل من هذا".

ووصفت وزارة الخارجية التركية تصريحات ماكرون بأنها "متغطرسة" و"استعمارية" وعلامة "على ضعفه ويأسه". وفي نفس الوقت، أشار رئيس مكتب الاتصالات في الرئاسة التركية، فخر الدين ألتون، إلى أن الرئيس الفرنسي ما هو إلا نابليون غير متخصص في رحلات استكشاف البحر المتوسط.

تحاول أنقرة دفع باريس إلى الزاوية في أفريقيا حيث تدعم حكومة الوفاق الوطني الليبية التي صدت هجوما شنه الجيش الوطني الليبي وقائده اللواء خليفة حفتر المدعوم من مصر والإمارات العربية المتحدة وفرنسا على العاصمة طرابلس، والذي استمر 14 شهرا.

وفي يوليو، وقعت تركيا اتفاقية عسكرية مع النيجر، مما يشير إلى اهتمام أنقرة بالحفاظ على موطئ قدم في ليبيا المجاورة الغنية بالنفط والتي مزقتها الحرب.

كما أصبح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أول دبلوماسي أجنبي يزور مالي بعد احتجاجات ضد الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية والخلاف حول الانتخابات التشريعية، مما أدى إلى انقلاب عسكري أطاح بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في 18 أغسطس بعد حكم دام سبع سنوات.

كانت كل من النيجر ومالي مستعمرتان فرنسيتان وتشاركان في عملية دولية بقيادة فرنسا لدعم القوات المحلية ضد الجهاديين في منطقة الساحل.

ومع ذلك، أعطت فرنسا تركيا جرعة من سمها. ودعا ماكرون رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فايز السراج لزيارة باريس الشهر الماضي.

كما أرسلت باريس وحدات جوية وبحرية إلى شرق البحر المتوسط ​​للانضمام إلى التدريبات العسكرية مع إيطاليا واليونان وقبرص وردع أنشطة مسح البحرية التركية في المنطقة. ودعا ماكرون الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على تركيا، متهما الدولة بمهاجمة سيادة الدول الأعضاء.

وخلال الشهر الحالي، زار ماكرون العراق حيث التقى بوفد من حكومة إقليم كردستان، بقيادة الرئيس نيجيرفان بارزاني، مما أكد الخلافات التركية الفرنسية. وأعلن الرئيس الفرنسي عن جهود لإطلاق مبادرة إلى جانب الأمم المتحدة لدعم السيادة في المنطقة الكردية، في رسالة غير مباشرة لتركيا التي استهدفت عمليتها العسكرية عبر الحدود في شمال العراق في يونيو حزب العمال الكردستاني مما أغضب بغداد وأربيل.

وقفت فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة إلى جانب اليونان وحكومة القبارصة اليونانيين بشأن أزمة شرق المتوسط. وحثت واشنطن أنقرة على وقف أي خطط استكشافية قبالة الجزر اليونانية في المنطقة، وأكدت برلين تضامنها الكامل مع أثينا ونيقوسيا بشأن هذه المسألة.

كما وقعت الولايات المتحدة وحكومة القبارصة اليونانيين يوم السبت مذكرة تفاهم لإنشاء مركز تدريب بعد زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لنيقوسيا. وسيشارك المركز الجديد، الذي تموله الولايات المتحدة، خبرة في مجال أمن الحدود. كما رفعت واشنطن مؤخرا حظر توريد الأسلحة إلى قبرص، وهو قرار أثار غضب تركيا.

ليست هذه التحركات التي تضر بالمصالح الوطنية التركية مصادفة. فقد نُظّمت هذه الهزائم الدبلوماسية لأن تركيا أضعف من أن تدافع عن مصالحها في العواصم الأجنبية. ولا نجد مؤسسة فكرية ذات سمعة طيبة في واشنطن تكون على استعداد لتلبية احتياجات المسؤولين الأتراك باستثناء مجلس الأطلسي. لكن الكثيرين أكّدوا أن التمويل الأجنبي هو الذي يصوغ ما يأتي على لسان هذا المجلس.

تساعد علاقات أردوغان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشارة الألمانية ميركل والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تقليل التوترات ومنع حدوث الأسوأ في الشؤون الدولية. ومع ذلك، يبقى هؤلاء القادة غير قادرين على كبح مقاومة مؤسسات بلادهم ضد أردوغان. لذلك، يدفع أردوغان ملايين الدولارات إلى جماعات الضغط الأجنبية لحشد دعم مسؤولين منتخبين من خلال اتفاقيات وراء الأبواب المغلقة. حتى الآن، لم يفد هذا التكتيك بسبب سمعة أردوغان السيئة. إذ لا يريد أحد أن يُرى أو يُعرف كصديق لأردوغان في العواصم الغربية.

ركز الرئيس التركي على القضايا التي تتصدر العناوين الرئيسية، مثل السياسات الخارجية المذكورة أعلاه. لكنه يواجه صعوبة في رسم الصورة كما يرد للسكان المضطربين ليعيد البلاد إلى "الوضع المستقيم".

تواجه وزارة الخارجية التركية سخرية واعة باعتبارها "وزارة إدانة" في تركيا بعد تصريحاتها التي "تنتقد" حكومات أجنبية أو "توبّخ" أخرى.

وحسب تصريحات الوزارة في الأيام الـ11 الأولى من سبتمبر، نددت تركيا بتصرفات عدد من الدول، بالإضافة إلى مجموعة ميد 7 والجامعة العربية، التي أدانت أنشطة تركيا الإقليمية. كما انتقدت أنقرة الإمارات والبحرين لاعترافهما بدولة إسرائيل، على الرغم من قيامها بالمثل في 1949.

تتجاوز انتقادات أردوغان الشرق الأوسط، وتشمل اتفاقيات السلام في البلقان أيضا. فقد أعلن ترامب أن كوسوفو وصربيا ستواصلان توثيق العلاقات السياسية والتجارية وأن الأولى ستقيم علاقات مع إسرائيل. ومن شروط الصفقة أن تنقل صربيا وكوسوفو سفارتيهما إلى القدس. وعند سماع ذلك، نددت وزارة الخارجية التركية بقرار كوسوفو وصربيا.

بعيدا عن إدانة كل هذه الاتفاقات مع دول في مواقع جغرافية مختلفة، تبقى تركيا منزعجة من اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية في المناطق المحيطة ببحارها. وقالت أنقرة إن الاتفاق التاريخي الموقع بين مصر واليونان لإنشاء منطقة اقتصادية حصرية مشتركة "باطل ولاغٍ".

يوم الجمعة، خفضت وكالة موديز التصنيف الائتماني لتركيا من "بي 1" إلى "بي2"، وأصبحت في مرتبة أقل مما كانت عليه في 2002، عندما وصل حزب أردوغان إلى السلطة، مما يشير إلى تزايد المخاطر الجيوسياسية، من بين مخاوف أخرى.

تولى الرئيس التركي السلطة في 2002 بعد أن أطاحت آخر أزمة كبيرة في تركيا بخصومه. ثم فاز في كل انتخابات وطنية ومحلية منذ ذلك الحين مع ارتفاع مستويات المعيشة. لكن الأمور تغيّرت في 2018 حين تباطأ النمو.

كما اتخذت العلاقة بين تركيا وروسيا منعطفا نحو الأسوأ في سوريا، وهي جبهة القتال الرئيسية السابقة بالنسبة لأنقرة. ثم أجرى وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أول زيارة له إلى سوريا التي مزقتها الحرب منذ 2012، وأكد دعم بلاده للرئيس السوري بشار الأسد، عدو أردوغان اللدود. وفي رسالة غير مباشرة إلى تركيا، تم تصوير لافروف يوم الاثنين مع وفد من حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، وهو حزب سياسي كردي صنفته أنقرة منظمة إرهابية، في موسكو، خلال لقاء تزامن مع زيارة وفد تركي عالي المستوى إلى العاصمة الروسية.

إذا بقي المسار الحالي للأحداث على حاله، فسيؤدي ذلك إلى جر تركيا إلى مزيد من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية. وقد يجعل هذا البلد أشبه بدولة شرق أوسطية في فترة ما بعد الربيع العربي، تعاني من الصراع الطائفي وعدم الاستقرار، بدلا من بناء ثروة اقتصادية وديمقراطية تعددية مع الإجماع والتسامح.