وتستمرالهجرة القسرية لأكراد شرق تركيا إلى إسطنبول

في عام 2016، سمعنا عن إعلانات "الحكم الذاتي" في المحافظات الرئيسية في شرق تركيا. ثم انهالت على جدول أعمالنا، واحدا تلو الآخر، أخبار الخنادق التي أنشئت في الأحياء، ومن قُتلوا، والأحياء والمدن التي دُمِّرت. فقد الآلاف من الناس ديارهم التي عاشوا فيها، وانتثروا في مدن مختلفة تماماً وحيوات أخرى كذلك. وكان أكبر ضحايا هذه العملية من النساء. النساء اللواتي التقينا بهن وتحدثنا معهن عن تلك الأيام، جئن من المدن الواقعة في شرق تركيا، وتجمعن في مدينة إسطنبول، أصبحن جيراناً متلاصقة بيوتهن في "سلطان بيلي".

"غولتن س." امرأة شابة من "هكاري". بالنسبة لها، كانت الجملة التي بدأت العملية هكذا: "قال والدي "بنيتي لقد أعلنوا الإدارة الذاتية." فسألت والدي "ماذا تعني الإدارة الذاتية؟" و"لماذا؟"،لم يكن أبي يعرف أيضًا. رأيت أشخاصًا جددًا. حديثهم لا يشبه حديثنا".

ثم التدمير.. عندما تعود إلى منزلك، تخيل أنك لا تستطيع التعرف على الحي الذي قضيت فيه طفولتك. كان بناؤنا لا يزال قائما، لم نسمح للدولة بأن تدمره. ألحَّ والدي كي يعطونا منزلنا، ولكنهم أيضًا لم يسمحوا لنا بتجديده. لم يكن هناك شيء في مكانه عندما ذهبنا إلى المنزل. كان لدى ابنة أخي لُعبة على شكل دب كبير. مزقوا الدب اللعبة من بين رجليه. اغتصبوا ذلك الدب اللعبة. لقد ألقوا ملابسي الداخلية وملابس أختي كلها في الشارع وعرضوها هناك".

بعد ذلك تقول "غولتن" إن الدولة عرضت عليهم مساكن "رئاسة إدارة الإسكان الاجتماعي التركية"، ولكنهم لم يقبلوا وتواصل: "أضرونا بقيمة 100-200 مليار ليرة تركية، ثم عرضوا علينا 10 مليارات ليرة تركية."

آسيا د. من جِزرة في شيرناق. هي في الـ 26 من عمرها. كانت واحدة ممن أُحرقت بنات عمها وهي على قيد الحياة في أقبية جِزرة. كما قُتل زوجها في أثناء حظر التجوال في جِزرة. كان أول ما تذكرته فيما يتعلق بتلك الفترة هكذا: "كم من إنسان مدني قُتل أمام باب منزلي.. كان رجال الشرطة يأتون حتى الباب، وما كانوا يذهبون. كنا نخاف بشدة لدرجة أننا لم نكن نستطع النوم حتى الصباح. كنا نخاف لأنه كان من الممكن أن نتعرض للاغتصاب والموت يعني يمكن أن يحدث كل شيء. كانوا مثل داعش، كان يمكنهم فعل أي شيء."

ثم انتقلوا إلى الخيام على بعد بضعة كيلومترات من شيرناق، عاش ما مجموعه خمس عائلات في الخيام: "لقد فقدت 15 كيلوغرامًا في شهر واحد بسبب البكاء."

آسيا د. حين فقدت زوجها وأجبرت على الزواج من شقيقه، عادت إلى منزل والدتها. تقول: "لم يبق لدي أي أمل في الحياة، حاليًا أفكر في حياة ابنتي ومستقبلها فحسب. لا أعتقد أننا نستطيع العيش مع هؤلاء الأشخاص بعد كل هذا القدر من القتلى. لقد رأيت مثل هذه الأشياء، لقد شهدت مثل هذه الأشياء، وليس لدي أيُّ أملٍ".

فاطمة س. من صور في ديار بكر. تقول إنها تسكن في حي "خطيب باشا" في صور. وفيما يتعلق كيف أن فرض حظر التجوال والمرحلة اللاحقة له غيرت حياتهم تقول: "عندما بدأ الحظر بدأ الجميع يهربون شيئًا فشيئًا. بقيت أنا وزوجي في المنزل، لم نخرج إلى الشارع. وظل الأطفال أيضًا معنا لمدة 20 يومًا تقريبًا، بعد ذلك اضطروا إلى الانتقال إلى خالهم. لم أستطع رؤية أطفالي منذ أكثر من أربعة أشهر.

جاء الجنود وأقاموا مقراً فوق سطحنا. كما تركوا آلاتهم في الفناء. كان هناك اثنان من القناصة في الأعلى وعلى السقف في الجانب الآخر. ظللنا شهوراً بلا ماء ولا كهرباء. اشترى الجنود ورجال الشرطة خزان مياه لأنفسهم. ولما كان مقلوباً، كان هناك تسرب بسيط جدًا منه. كنت أضع البراميل الصغيرة أمام التسرب وأملؤها".

وفيما يتعلق بعواقب الحظر وعملية الصراع، تقول: "كان ابني طفلاً يتمتع بصحة جيدة، لكنه أصبح مدمنًا للمخدرات بعد أحداث صور. اعتاد الولد على تعاطي المخدرات، اعتاد أولاد الناس على تعاطي المخدرات، بينما بناتهم اعتدن على الفاحشة. لقد تغيرت البيئة، لا أحد يعرف أحدا. تحطم الجميع. جعلونا بائسين باستمرار. إذا اتحدنا نحن الأكراد، لما أصبح الأمر هكذا".

هدية ب. في الـ 45 من عمرها. هي من "يوكسك أووا". زوجها في السجن منذ ثماني سنوات، ومحكوم عليه بالسجن لمدة 28 سنة. واحد من أبنائه في الجيش، والاثنان الآخران معتقلين. وعلى حين هي تحكي تمتعض أكثر ما تمتعض من الهجرة وحياة التنقل وعدم الاستقرار، وتقول "لقد هرب الناس من الحرب في حافلة صغيرة وأصبحنا بدواً رحلًا، لقد أصبح الجميع بدواً رحلًا. ذهب البعض إلى القرى، وذهب البعض إلى هذه الجهة، وذهب البعض إلى منزل أقاربهم، وذهب بعضهم إلى هكارى، وذهب بعضهم إلى "وان". تشرد الشعب في الطرق والمسالك، ولم يبق أحد قط هناك".

وتواصل الحديث غاضبة: "إننا سكان غيوير (يوكسك أووا) تأذينا وافتضحنا جميعًا. ليس من لديهم أموال، ولكن من لا يملكون المال هم من ذُلوا وعانوا. مارسنا الشحاذة من أجل حياتنا، وتوسلت الناس أيضاً."

تقول إنها ترغب بشدة في العودة إلى "يوكسك أووا". ولكنها سمعت أن منازلهم هُدّمت، وهي ساخطة على ذلك: "كانت البلدية، في السابق، في أيدينا نحن الأكراد، ولكنها الآن في أيدي الأتراك.. نريد العودة، نريد أرضنا، مكاننا، موطننا. أرض الإنسان شيء آخر."

روجدة ي. من "أييل" في ديار بكر، وهي في الـ 34 من عمرها، وأم لأربعة أطفال. وردًا على السؤال "ماذا واجهت؟"، تجيب باختصار "الجميع يعرف"، وتريد أن يُعرف أيضًا ماذا يعيشون ويواجهون حاليًا: "لم يتمكن أطفالي من الذهاب إلى مدرستهم بسبب الاشتباكات التي استمرت عامين في صور. وإننا كآباء وأمهات، كافحنا بجدية لإقناعهم بالدراسة، لكننا لم نتمكن بأية حال من تحبيبهم في المدرسة. ابني الأكبر ترك المدرسة وهو في الصف الخامس. قمت بالإجراءات المدرسية لأخيه الأصغر وأنا قادمة إلى هنا. لم يذهب إلى المدرسة منذ شهر. طردوا زوجي أيضًا من العمل عندما انتهى عقده. أنا أذهب لتنظيف المنازل، هذا مصدر دخلنا الوحيد."

قمرية ك. من نصيبين في ماردين وهي في الــ 44 من عمرها. حوصرت أسرتها بكاملها في نصيبين: "أعددنا المؤن والأرزاق مسبقًا حتى لا نتعرض للجوع. في تلك الفترة كنت أستطيع الوقوف على قدمي باستخدام المهدئات والمسكنات، لأن ابني أيضًا كان في خضم الصراعات."

تلقت خبر وفاة ولدها في 22 مايو من ذلك العام، تتحدث حديثًا مأساويًا إلى حد كبير عن فترة تحليل الحمض النووي وما بعدها: "لقد أجروا اختبار الحمض النووي. ما زلنا في انتظار نتيجته. بعد ذلك اليوم ذهبت مرة واحدة إلى حيث توفي. حقيبته كانت هناك، وجدتها. كان جوربه على الأرض، فأخذت، وكانت هناك عظمة في جوربه، كانت عظمة قدمه. أخرج رجال الشرطة ابني من البطانية، وقد انسكبت عظامه على الأرض، فتناثرت، فوضعوها في كيس مرة ثانية. بقيت عظمة واحدة منه، نحن وجدنا تلك العظمة هناك."

أما كلماتها الأخيرة: "لن ننسى هذا الاضطهاد ما حيّينا."

"نهبوا منازلنا. لم يكن هناك باب، ولا نافذة منها. كتبوا على جدراننا، وعلى لُحُف أسرتنا: "هكذا فعلنا ببيوتكم، وفعلنا هكذا بنسائكم، وبأولادكم، ونمنا في فرشكم، وفعلنا كذا وكذا." رسموا العلم التركي. لم أمسح تلك الكتابات، وتركتها لتبقى. لكنني لم أستطع البقاء في ذلك البيت أيضًا. فجئنا إلى هنا."

زهرة أ.  تبدأ حديثها بهذه الجمل، ثم تعدد مظاهر عجزهم الواحدة تلو الأخرى: "ظل الشعب عاجزًا وأسيرًا. عند النواصي، وأطفالهم في أحضانهم. علاوة على ذلك نزل المطر علينا كثيرًا، لقد عانى الناس أشد المعاناة تحت المطر. كانت البلدية توزع حزم المساعدات، وتحظر المساعدة الحكومية."

فقدت نسرين ابنتها "جندة" في اشتباكات صور. وتتحدث عن عملية حفر الخنادق: "الأطفال الصغار شقوا خندقًا. كل هؤلاء الأطفال تتراوح أعمارهم بين 8 - 11 سنة. كنا نغضب منهم، ونسكب الماء عليهم، ونقول لهم ألا يفعلوا."

أما كلامها عن ابنتها جندة: "جاء خبر وفاة ابنتي أولاً، لكن جنازتها كانت آخر جنازة سلموها. عندما أخذنا جنازتنا، أكلت الكلاب الجنائز الأخرى ومزقتها. أظهر والدها ذلك للجميع، ولكنه لم يظهره لي. عندما تم العثور على جنازة تخص لعائلة في تلك الأيام، اتصلنا على الفور وقلنا "قرت عيناك. وجدت جنازتكم. لا تزال جنازة طفل في الداخل، لم يتسن العثور عليها. أتألم وأشفق كثيرًا على تلك الأم."

خيرية ت. في الـ 47 من عمرها، وهي تركية الأصل. استقر والدها في "باش قلعه"، وهناك أيضًا تزوج، ثم هاجروا إلى "يوكسك أووا". فقدت ولدها في يوكسك أووا.

"اضطررت إلى مغادرة منزلي لأن الدولة دمرت منزلي. لو أن الدولة لم تخربه، فلماذا أتشرد في الشوارع؟ يوم بدأ الحظر، غادرت أنا وابني الصغير المنزل وذهبنا إلى "شمدينلي". كان ابني صغيرًا جدًا، كان يذهب إلى العمل ويواصل الذهاب أيضًا إلى الفصول الدراسية. لم يسمحوا له بالخروج عندما عاد من الفصول الدراسية. في آخر مرة اتصل فيها قال إنه تعرض لغاز كيميائي، ولم أسمع صوته بعد ذلك. لم أبك قط عندما رأيت جراح ابني. فبالإضافة إلى المادة الكيماوية، أطلقوا 11 رصاصة على ظهره، ثقبوا كل جسده بالرصاص. كانت يداه معلقتين في الهواء، يبدو أنه رفع يديه للاستسلام، لكنهم رفضوا وغربلوه بالرصاص".

لقد مات أحد أبناء خيرية ت أيضًا في كوباني، وحُكم على ابن آخر بالسجن تسع سنوات. وابن آخر التحق بحزب العمال الكردستاني بعد مقتل أخيه الأكبر، ولكن ما عاشه قبل الالتحاق به كان مرعبًا ببساطة؛ تحكي أمه "الناس عندنا في تلك المناطق يتجولون في الجبال صيفًا. وعلى حين يتجول ابني أيضًا ذات يوم تم اقتياده واحتجازه. سخنوا المياه الغازية وسكبوها في حلق الولد. ظل ولدي تحت التعذيب مدة 25 يومًا، وكان نفسه قد انقطع حين خرج. والتحق بحزب العمال الكردستاني بعد شهر من ذلك".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/sokaga-cikma-yasaklari/surdaki-sokaga-cikma-yasaginin-besinci-yilinda-istanbula-savrulan-hayatlar