ذو الفقار دوغان
يونيو 08 2019

وعود أردوغان القضائية بين الاستثمار الانتخابي والصدق

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مساء الخميس المنصرم، عن حزمة إصلاحات قضائية جديدة في بلاده بعدما دخلت إلى الأجندة السياسية جراء زيادة الانتقادات الموجهة إلى تركيا في الساحة الدولية، إلى جانب النقاشات الدائرة في الداخل التركي حول ضرورة تطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وتطبيق إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول إلى دول الاتحاد، واستقلال القضاء وعدم انحيازه وما إلى ذلك من القضايا الأخرى.

كان فريق العمل المعني بالإصلاح، الذي تشكَّل بمشاركة وزراء العدل والداخلية والخزانة والمالية، انتهى من أول ورشة عمل بهذا الصدد في شهر يوليو المنصرم تحت عنوان "وثيقة استراتيجية الإصلاح القضائي".

تحتوي وثيقة الإصلاح القضائي الجديدة المؤلفة من 9 عناوين و65 بندًا/ مادة على الخطوات الواجب اتخاذها في مجال الإصلاح القضائي، وقد أعلن عنها أردوغان في اجتماع تعريفي عقده في القصر الجمهوري بحضور أعضاء القضاء الأعلى ورؤساء نقابة المحامين في 81 محافظة. وقال أردوغان في كلمته إن تعزيز عمل النظام القضائي ورفع الثقة بقراراته إلى أعلى المستويات، سيكون أولوية البلاد في المرحلة المقبلة وأضاف: "الهدف الرئيسي من وثيقة استراتيجية الإصلاح القضائي هو تأسيس نظام قضائي يمكن الوصول إليه ويمنح الثقة لجميع الأطراف.

وزعم أن وثيقة الإصلاح تظهر التزام أنقرة للانضمام الكامل لعضوية الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن الوثيقة تضمنت السماح للنساء الحوامل والأطفال والمسنّين المدانين بارتكاب جرائم صغيرة بقضاء مدة عقوباتهم في المنزل عن طريق وضع علامات إلكترونية. ‏كما تعهد أردوغان بتصفير عمليات التعذيب في بلاده، وفترات اعتقال واحتجاز محدودة وأن التفكير لن يكون جريمة تعاقب عليها المواطن.

وكان زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي أثار جدلاً كبيرًا بعدما طرح فكرة العفو العام عن السجناء في أعقاب انتخابات 2018 الرئاسية والبرلمانية. وهو الأمر الذي كان يثير فضول عشرات الآلاف من المعتقلين والمحكومين عليهم في السجون حول وثيقة الإصلاح القضائي.

جاءت وثيقة الإصلاح القضائي بعد تقرير أوروبي تضمن انتقادات لاذعة للغاية لانتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها تركيا خصوصًا منذ الانقلاب المزعوم في عام 2016. فقد أعلنت المفوضية الأوروبية تقريرها الخاص بتركيا لعام 2019 قبل 24 ساعة من إعلان وثيقة استراتيجية الإصلاح القضائي من قبل أردوغان، موجّهة إلى تركيا انتقادات شديدة اللهجة حول حرية الصحافة، وحرية الفكر والتعبير، واعتقال الأكاديميين، والصحفيين، والمفصولين من الوظيفة العامة بقرارات الطوارئ، فضلاً عن أنها أبدت ردود فعل قوية تجاه أجهزة القضاء.

وشدّد التقرير على أن تركيا تشهد تراجعًا خطيرًا في سيادة القانون والحقوق الأساسية، مرجعًا سبب ذلك إلى تعرض مبدأ الفصل بين السلطات للضعف، وزيادة الوصاية السياسية المفروضة على جهاز القضاء، بالتزامن مع دخول التعديلات الدستورية الجديدة إلى حيز التنفيذ.

وأشار التقرير أيضًا إلى أنه رغم رفع حالة الطوارئ في 18 يوليو 2018 بعدما أُعلنت في 15 يوليو 2016 بدعوى التصدي للاتقلاب "الفاشل"، إلا أنها كسبت صفة وحالة دائمة في تركيا بعد تشريع قوانين جديدة خلال ثلاث سنوات من الطوارئ، لافتًا إلى أنه لم يبقَ أمام المفصولين من القطاع الحكومي بقرارات الطوارئ أي طريق للبحث عن حقوقهم سوى اللجوء إلى لجنة حالة الطوارئ التي شكِّلت "على الورق" من أجل تحديد المتضررين وتعويضهم.

ونوّه التقرير بأن القرارات القضائية الصادرة من المحاكم لصالح بعض نشطاء حقوق الإنسان والمفكرين والكتاب والأكاديميين المصنفين ضمن المعارضين نقضتها محاكم أخرى أو المحاكم ذاتها بعد الاعتراض عليها، مؤكدًا على غياب إمكانية محاكمة عادلة في تركيا. وانتقد التقرير الأوروبي كذلك عدم إعداد مذكرات الاتهام على الرغم من فترات الاحتجاز الطويلة.

لا شكّ أن هذه الانتقادات والتحذيرات الأوروبية تنطوي على أهمية كبيرة، ولا نعلم بعدُ ما إذا كانت وثيقة استراتيجية الإصلاح القضائي التي أعلن عنها أردوغان مساء الخميس ستكون قادرة على تلبية التوقعات في هذا المضمار أم لا.

من المعلوم أن المفاوضات الجارية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بشأن العضوية الكاملة، وإعفاء المواطنين الأتراك من التأشيرة عند دخولهم إلى دول الاتحاد، تعرضت للانقطاع، بسبب عدم تحقيق تركيا المعايير الأوروبية الستة، خصوصًا ذلك المعيار الذي يتعلق بتعريف "الإرهاب". يطالب الاتحاد الأوروبي تركيا بإجراء تعديلات إضافية في قانون مكافحة الإرهاب وقانون الإجراءات الجنائية وفي معايير المعاقبة والاحتجاز والاعتقال في قانون العقوبات التركي.

ومن أكثر القضايا التي ينتقدها التقرير الأوروبي وجودُ عشرات الآلاف من المواطنين خلف القضبان الحديدية في تركيا، بسبب توسيع نطاق جريمة الدعاية الإرهابية على نحو ينتهك مبدأ حرية الفكر والتعبير، ويصل في كثير من الأحيان إلى حدّ اعتقال كلِّ مَنْ عبّر عن رأيه وفكره.

على سبيل المثال، يخضع زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي سابقًا صلاح الدين دميرتاش، وعدد كبير من نواب الحزب وأعضائه ومسؤوليه، للمحاكمة بدعوى الدعاية الإرهابية. وفي معظم تلك الحالات أصدرت المحاكم قرارات الإدانة، ووافقت عليها المحاكم العليا لتغيب إمكانية النقض في نهاية المطاف.

وعلى الرغم من أن محكمة حقوق الإنسان الأوروبية أصدرت قرارًا بانتهاك حقوق دميرتاش والإفراج الفوري عنه، إلا أن محكمة الاستئناف التركية وافقت في اليوم ذاته على قرار الحبس أربع سنوات بحقه ليستمر البقاء في السجن.   

وأحدث مثال على تلك التطبيقات التعسفية هو أن الأستاذة فوسون أوستل دخلت السجن بعدما بتّت المحكمة في تهمة الدعاية الإرهابية الموجّهة إليها بسبب توقيعها على بيان ما سمي إعلاميًّا "لن نكون شريكًا في هذه الجريمة" أو بيان "السلام الكردي".

كما أصدرت المحكمة أحكام السجن لفترات زمنية مختلفة بحق أعضاء مجلس إدارة الجمعية الطبية التركية (TTB)، بتهمة الدعاية الإرهابية ودعم الإرهاب أيضًا، في أعقاب نشرهم بيانًا اعترضوا فيه على عملية "غصن الزيتون" التي نفذتها تركيا في عفرين بالشمال السوري.

وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على مدى بُعد تركيا من المعايير الأوروبية في تحديد وتعريف جريمة الإرهاب والدعاية الإرهابية. ولا نعلم ما إذا كانت وثيقة استراتيجية الإصلاح القضائي الجديدة ستقدم حلاً فعّالاً في التفريق بين جريمة الدعاية الإرهابية وحرية التفكير والتعبير أم لا.  

وتزعم الكواليس السياسية في أنقرة أن الحكومة ستجري تعديلات جديدة، وفق وثيقة الإصلاح الأخيرة، في تعريف الإرهاب، وستعمل على توسيع نطاق حرية التفكير والتعبير عن الرأي عبر الوسائل المكتوبة والبصرية والمسموعة، تمهيدًا لإسقاط القضايا المرفوعة ضد الآلاف من "معتقلي الفكر والقلم" في مرحلة الاستئناف والنقض.

ولا يخفى على أحد أن أردوغان يسعى من وراء إعلان وثيقة استراتيجية الإصلاح القضائي إلى الحصول على دعم الأكراد قبيل إعادة انتخابات إسطنبول المحلية في 23 يونيو، مع أنها لا يمكن أن يتم الموافقة البرلمانية عليها وتشريعها قبل الانتخابات، مما يدل على أن تلك الوعود قد تكون استثمارًا انتخابيًّا صرفًا، وتبقى حبرًا على الورق فقط.


 يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/yargi-reformu/yargi-reformunda-gozler-erdoganda-cezaevleri-bosalacak-mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.