وعود قطر الوهمية تجعل تركيا تعيد النظر بعلاقاتها العربية

يشعر صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير المالية والخزانة بيرات البيرق باستياء من عدم تنفيذ الوعود المالية من الجانب القطري.

فبعد تعرض الليرة التركية لانهيارات سريعة في عام 2018، ناقش أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني إمكانية تأمين أموال لتركيا وزيادة الواردات من البلد خلال اجتماع مع البيرق. وبعد وقت قصير تم الإعلان بأن قطر ستنفذ استثمارات مباشرة في تركيا بقيمة تصل إلى 15 مليار دولار.

واستمر البيرق يلعب بورقة العلاقات الوطيدة مع حكام دولة قطر، ويسعى لأن يردوا الجميل لتركيا، في مسعى لتأمين موارد حيوية للتمويل من أجل الحيلولة دون استمرار الأزمة الاقتصادية.

أما الآن، يرى مراقبون أن أردوغان وصهره يشعران بفقدان الأمل من الحصول على أي دعم مالي من قطر حيث يعاني الاقتصاد بالإضافة لانتشار وباء كورونا، ولاسيما إن الوعود السابقة لم يتحقق منها إلا القليل.

ويرى ذو الفقار دوغان الخبير التركي والكاتب في "أحوال تركية" أن ما تحتاجه تركيا الآن هو مصدر للسيولة الجاهزة. وبالنسبة لقطر – التي لديها دخل من النفط والغاز بمئات المليارات من الدولارات، وأموال تقدر قيمتها في الأسواق الأميركية بما يزيد على 200 مليار دولار – فإن أغلب هذه الأموال موجودة في بنوك أميركية.

وتتابع أنقرة تصرفات الدوحة باستياء بينما تواصل قطر الاستثمار في الولايات المتحدة وأوروبا وخصوصا آخر عملية استثمارية ضخمة تمت في لندن.

حيث كشفت صحف بريطانية أن المشتري لفندق ريتز في لندن هو رجل أعمال قطري.

وقالت صحيفة "ديلي ميل" إن عملية شراء ريتز تمت مقابل 800 مليون إسترليني، ما يجعله أغلى فندق في العالم، من رجل الأعمال عبد الهادي مانع الهاجري شقيق الزوجة الثانية لأمير قطر.

فبينما تستمر قطر بضخ الأموال في الخارج، يشعر الأتراك أن قطر ليس بالحليف الصادق الذي يمكن التعويل عليه.

وتقول مصادر مطلعة إن هناك أصواتاً بدأت ترتفع في الحلقة الضيقة المحيطة بأردوغان بضرورة مراجعة العلاقات التركية الخليجية وعدم الانجرار خلف قطر.

وأشار وزير الخارجية التركي الأسبق يشار ياكيش إلى أنه على المدى الطويل "قطر ليست دولة تستطيع أن تحمل دولة بحجم تركيا على أكتافها".

وقال ياكيش لموقع (أحوال تركية) "إنه بلد عربي وسيبقى كذلك.. اهتماماتها طويلة الأجل أولاً مع دول مجلس التعاون الخليجي وثانياً مع الدول العربية ككل".

ويرى مراقبون أنه في نهاية المطاف لن تستطيع قطر الاستمرار بالتعنت ضد محيطها العربي.

وتقول مصادر خليجية إن قطر لديها نية للتقارب أكثر مع السعودية مما سيؤثر على العلاقة بشكل سلبي بين أنقرة والدوحة.

وأحد أهم الشروط التي وضعتها السعودية لإعادة علاقتها مع الدوحة هو إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر. وهو هاجس كبير للقادة في أنقرة.

وتخشى تركيا من أن توقف الدوحة دعمها لجماعة الإخوان المسلمين "مالي ولوجستي" من أجل حل الخلافات بينها وبين السعودية.

ويعتقد المراقبون بأن اعتماد قطر على تركيا سينخفض عند عودة العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي. من المتوقع أن تلتزم قطر بأجندة موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي، وهذا سيؤدي إلى عزلة أكبر بالنسبة لتركيا.

فهناك أصوات تركية تطالب بالتعقل والتوازن في العلاقات التركية الخليجية، ولاسيما إذا تراجعت قطر ونفذت التعهدات من أجل العودة الى الحضن الخليجي، ستجد تركيا نفسها أنها خسرت مرتين، أولا لتعويلها على قطر، وثانيا خسرت كل الدول العربية بدعمها لقطر في الوقت الخطأ.

ويرى مراقبون أن التصعيد التركي ضد الدول العربية ذهب بعيدا بناء على وعود أشبه بالأوهام من قطر، بل أن تركيا تكاد أن تكون في وضع أسوأ حتى من قطر بالنظر للموقف العربي على المدى البعيد.

وتابع ياكيش قائلاً "لا يمكن لدولة عربية أن تبقى في صف تركيا خلال شقاق بين تركيا والدول العربية".

وأضاف محذرا من أن "أي ضرر تلحقه دولة عربية بدولة عربية أخرى سيكون في طي النسيان، لكن أي ضرر تلحقه تركيا بدولة عربية فلا يمكن نسيانه على الأرجح".

ويذكر أن تركيا هي التي هبت لمساعدة قطر في عام 2017 عندما تعرضت لمقاطعة عربية لإيوائها جماعات إسلامية متطرفة وتقديم الدعم لها، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين.

ويعتقد ذو الفقار دوغان أن قطر لم تكن حليفا حقيقيا لتركيا، بل أكثر من مرة كانت قطر في الجانب الخطأ. فقد تعاونت قطر مع القبارصة اليونانيين في حقوق التنقيب عن غاز عليها نزاع مع تركيا. فأنقرة تعارض بقوة التنقيب عن الغاز من قِبل الجمهورية القبرصية التي لا تعترف بها تركيا، إذ تقول أنقرة إن هذا يعد انتهاكاً لحقوق السكان القبارصة الأتراك بشمال قبرص في الجزيرة.

بعد تجارب مريرة تتوجت بخيبة أمل وانعدام الثقة، بدأت تحث تركيا لإعادة النظر بشكل جدي بمستقبل علاقاتها مع قطر والدول العربية قبل أن تجد نفسها أمام باب مصدود لا عودة بعدها. هل سيصحو أردوغان من أوهام قطر التي روج لها صهره أم سيمضي في طريق مسدود نحو مزيد من التأزيم؟