وزير الدفاع الأميركي الجديد لويد أوستن وآفاق التعاون مع أنقرة

أنقرة - كيف تستقبل تركيا خبر استلام وزير الدفاع الأميركي الجديد لويد أوستن منصبه في قيادة البنتاغون؟ إلى أيّ حدّ يثير وجوده على رأس وزارة الدفاع الأميركية قلق أنقرة التي سبق لها أن اختبرته في عدّة مواقف؟ كيف سيتعاطى أوستن مع تركيا التي تزيد أنشطتها العسكرية في عدد من المناطق، وبخاصة في سوريا والعراق وليبيا؟

يلفت محللون إلى أنّ تعيين أوستن وزيراً للدفاع لا يحمل أخباراً مبشّرة لتركيا، وبخاصة أنّ الرئيس الأميركي جو بايدن قد وعد بدعم المعارضة التركية، وانتقد سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان وممارساته الداخلية والخارجية، ناهيك عن وجود عدد من الملفات الشائكة العالقة بين الطرفين.

كما أنّ هناك عدّة أسباب تثير قلق أنقرة من تسلم لويد أوستن وزارة الدفاع الأميركية، وهو الجنرال المتقاعد في 2016، والذي كان له دور كبير بدعم وتسليح المقاتلين الأكراد في سوريا أثناء قيادته للقيادة المركزية الأميركية في المنطقة.

من ذلك أنّ لويد أوستن يعرف المنطقة جيداً، وعمل بشكل ميداني فيها لسنوات طويلة، وهو مطّلع على ممارسات الاستخبارات التركية وعلاقاتها الوثيقة مع الجماعات المتشدد، كتنظيم داعش وجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) وغيرهما من التنظيمات الجهادية والتكفيرية في سوريا والعراق، ما يضعه في مواجهة مباشرة مع أنقرة التي ستحاول استخدام عدد من الأوراق السياسية والأمنية في مسعى منها لتليين موقفه منها، وإيجاد أرضية مشترة للتواصل كحلفاء وشركاء في الناتو، بحسب ما يلفت مراقبون.

وسبق للوزير لويد أوستن العمل والتعاون مع تركيا عن كثب في إطار ما عرف ببرنامج التدريب والتجهيز الذي عملت عليه واشنطن، لتجهيز مقاتلين من المعارضة السورية المسلحة للقتال ضد داعش في سوريا، لكنه لم يصل إلى نتائج جيدة، بل تحوّل إلى فشل ذريع، ولاسيما أنّ تركيا لعبت دوراً في توجيه عدد من المقاتلين الذين تمّ تدريبهم للانضواء في صفوف ميليشيات متطرفة قريبة منها، كجبهة النصرة التي كانت تعتبر نفسها فرعاً لتنظيم القاعدة في سوريا، وكانت على علاقات وثيقة بأنقرة، بحسب ما يؤكّد محللون.

ونشرت تقارير إعلامية حينها كشفت أنّه بعد تدريب عدد من مقاتلي المعارضة السورية المسلحة في تركيا، قام قسم كبير منهم بتسليم أسلحتهم وعتادهم وعدّتهم إلى جبهة النصرة، فور عبورهم الحدود التركية إلى الأراضي السورية، ما ساهم بإبعاد واشنطن عن الاستمرار في تسليح المقاتلين المتشددين المقربين من أنقرة، والتركيز أكثر على دعم القوات الكردية السورية التي وجدت فيها حليفاً موثوقاً ضدّ تنظيم داعش.

وفي سبتمبر أعلن البنتاغون أن مجموعة من مقاتلي المعارضة السورية دربتها الولايات المتحدة في تركيا، سلمت ذخائر ومعدات لجبهة النصرة، فرع القاعدة في سوريا، لقاء السماح لها بالمرور بدون التعرض لها بحسب ما قال المقاتلون. وحينها قال المتحدث باسم البنتاغون الكابتن جيف ديفيس "تبلغنا للأسف أن وحدة "القوات السورية الجديدة" تقول الآن إنها سلمت فعلا ست شاحنات بيك آب وقسما من أسلحتها إلى عناصر يعتقد أنهم من جبهة النصرة" .

من جهته قال الكولونيل باتريك رايدر المتحدث باسم القيادة الوسطى التي كانت تشرف على الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا إن المقاتلين سلموا معداتهم لقاء السماح لهم بالمرور بأمان في المناطق التي تهيمن عليها جبهة النصرة.

سلّم مقاتلون درّبتهم واشنطن أسلحتهم لجبهة النصرة
سلّم مقاتلون درّبتهم واشنطن أسلحتهم لجبهة النصرة

وشكّلت تلك الحادثة الموقف انتكاسة جديدة لمصداقية البرنامج الذي أطلقته الولايات المتحدة في مطلع 2015 والذي كان يرمي إلى "تدريب وتجهيز" مقاتلين من المعارضة السورية للتصدي لجهاديي تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي أعقاب ذلك توجّه أوستن إلى تدريب المقاتلين الأكراد السوريين وتجهيزهم لمواجهة تنظيم داعش في المنطقة، ما أزعج أنقرة التي تعتبر القوات الكردية السورية امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه على لائح الإرهاب، وتعتبر أيّ إدارة كردية على حدودها مع سوريا خطراً على أمنها القومي.  

وكان أوستن اعترف بشكل مباشر في جلسة استماع لمجلس الشيوخ في سبتمبر2015، بأن واشنطن ساعدت المقاتلين الأكراد في وحدات حماية الشعب، وقدّمت خدمات استشارية ومساعدة للأكراد.

وكان أوستن قائدا عسكريا في العراق، وأصبح قائد القيادة المركزية خلال عهد إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما. وعمل بايدن مع أوستن عن كثب بشأن العديد من القضايا في الشرق الأوسط، بما في ذلك، سحب قوات أميركية في العراق، والحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي "داعش".

ودخل الجنرال المتقاعد لويد أوستن التاريخ يوم الجمعة عندما أصبح أول وزير دفاع أمريكي أسود حيث وصل إلى وزارة الدفاع (البنتاغون) بعد دقائق من تصديق مجلس الشيوخ على تعيينه ليواجه جدول أعمال مزدحما، وملفات شائكة تنتظر تناولها.

وكانت أول مكالمة لأوستن مع زعيم أجنبي كوزير للدفاع مع الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ مما يؤكد الأهمية التي توليها إدارة بايدن للتحالف. وكان الرئيس السابق دونالد ترامب قد أثار توترا في حلف شمال الأطلسي من خلال توجيه اللوم بانتظام إلى الحلفاء لعدم إنفاق ما يكفي على الدفاع وسعى إلى معاقبة ألمانيا بسبب خلاف بسحب القوات الأميركية.

ويأتي الصراع التركي اليوناني شرق المتوسط في مقدمة الملفات التي يكون للناتو حضور فيها، ما يستدعي مسارعة من أوستن للخوض فيه، ولاسيما أنّ الصراع يشتعل على الغاز الطبيعي بين تركيا واليونان - وكلاهما من حلفاء الناتو - لعدة أشهر. وكاد في العام الماضي أن يتصاعد عسكريا. وتتهم اليونان العضو في الاتحاد الأوروبي تركيا بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في المناطق البحرية التي لا يجوز إلا لليونان استغلالها وفقًا للقانون البحري الدولي.

ويجدر بالذكر أن أوستن أصبح أول عسكري أسود يعين ضابط عمليات الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جوا. كما كان أوستن أول عسكري أسود يقود كلا من فرقة مشاة وفيلق الجيش في القتال وأول ضابط أسود يصبح نائب رئيس أركان الجيش وأول من يتولى القيادة المركزية الأميركية ويشرف على القوات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

 وبالنسبة لموقف أوستن من بعض الملفات في المنطقة، والتي تعدّ على تماس مباشر مع ملفّات تنخرط فيها أنقرة بشكل أو بآخر، قال لويد أوستن إن إيران تمثل تهديدا للحلفاء الأميركيين في المنطقة وللقوات الأميركية المرابطة هناك. وقال أوستن خلال جلسة الاستماع لمناقشة التصديق على تعيينه "لا تزال إيران عنصرا مزعزعا للاستقرار في المنطقة... تمثل تهديدا لشركائنا في المنطقة وللقوات التي ننشرها في المنطقة". وأضاف "إذا حصلت إيران على قدرة نووية في أي وقت فسيكون التعامل معها بشأن أي مشكلة في المنطقة أكثر صعوبة بسبب ذلك".

ولم يكشف أوستن خططه لقيادة الجيش الأميركي لكن في ردود خطية مقدمها إلى المسؤولين المنتخبين، قال إنه ينوي مراجعة قرارات الانسحاب من ألمانيا والصومال التي ارادها دونالد ترامب. لكنه عبر عن تأييده الانسحاب من أفغانستان. وقال لأعضاء مجلس الشيوخ "أود أن أرى هذا الصراع ينتهي بتسوية تفاوضية"، مؤكدا أن "التركيز على عمليات مكافحة الإرهاب في المستقبل سيكون مفيدا".