وزير تركي يسخر من ضعف الإعلام بينما يقمع الصحافة

كشف وزير الداخلية التركي، سليمان سويلو، عن أمنيته للشعب: قال إنه لو لم يكن مكلفا بمهمة قيادة الوزارة المسؤولة عن اعتقال الصحفيين، لكان "ترك كل ما بيديه" وامتهن الصحافة.

لماذا خرج الوزير سويلو بمثل هذا التصريح الغريب؟ لم يكن السبب هي الأخبار التي ترددت بأن تركيا تخلت للمرة الأولى في ثلاث سنوات عن صدارة قائمة الدول التي تسجن الصحفيين حول العالم. حلت تركيا هذا العام في المركز الثاني.

لا تتسرع فتظن أن السبب هو توفر بيئة أكثر أمنا ولو نسبيا للصحفيين في 2019 عما كانت عليه في السنوات الماضية.

فاللجنة الدولية لحماية الصحفيين قالت إن تراجع تركيا عن صدارة التصنيف العالمي لهذه القائمة المخزية لم يكن وراءه تحسن الموقف في البلاد، بل نتيجة حملة قمعية تنفذها الحكومة بنجاح ضد وسائل الإعلام المؤثرة.

هذا العام، سجنت الصين، متصدرة التصنيف، 48 صحفيا، أي أكثر بصحفي واحد عمن سجنتهم تركيا. صحفي واحد أكثر من بين نحو 1.3 مليار نسمة هو تعداد السكان في العملاق الآسيوي.

كرتون

لذا، فإن مقدم البرنامج الإذاعي حين دفع سويلو للحديث عن حلم حياته بأن يصبح مراسلا صحفيا ثم السخرية من قلة عدد الصحفيين الاستقصائيين في تركيا، فلعله وجد صعوبة في التعامل مع ما خرج من فم الوزير.

كان بوسعه أن يقول للوزير إن السبب هو أن الشرطة التي يقودها قد سجنت كل صحفي كفء في البلاد، رغم أن تعليقا كهذا كان سيعصف بمسيرته المهنية أو سيضيف شيئا ما إلى سجله الجنائي.

لأن الشيء الوحيد الواضح في حديث الوزير سويلو خلال تلك المقابلة كانت كلماته الجارحة.

قال سويلز في إشارة إلى مجموعة من النساء خرجن للتظاهر بالرقص والغناء على أنغام أغنية (لاس تيسيس) الشهيرة قبل أن تتصدى لهم الشرطة في إسطنبول "لقد وجهوا لي انتقادات. تساءلوا عن سر دفاعي عن تدخل الشرطة ضد النساء الراقصات في كاديكوي."

وأضاف "اعذروني، لكن حين تصف النساء الراقصات الدولة والشرطة والقضاة بأنهم مغتصبون وقتلة، كيف تتوقعون أن أتعامل مع ذلك."

الأغنية التي رددتها المتظاهرات ظهرت بالأساس في تشيلي وسرعان ما انتشرت في مختلف أنحاء العالم، وتتحدث كلماتها بشكل أساس عن العالم الذكوري ومسؤوليته عن العنف ضد النساء وتتهم الشرطة والقيادات السياسية والدولة بالمسؤولية عن ذلك.

من واقع حلمه بامتهان الصحافة، لا بد وأن سويلو يعرف مدى مسؤولية الصحفيين عن نقل الحقيقة للسلطة، لكن لعله يفترض أن ذلك ممكن طالما لم تضايق الحقيقة السلطة.

لو نشر صحفي مهم كلمة واحدة من شأنها مضايقة المسؤولين، فنحن نعرف بالفعل معنى المخاطرة بشيء كهذا في تركيا حيث قد يكلف الأمر صاحبه بعض الوقت خلف القضبان.

لكننا رأينا مرة أخرى الأساليب الحكومية القمعية للسيطرة على الصحافة حتى وإن فقدت تركيا موقعها في صدارة سجاني الصحفيين وأصحاب الرأي في العالم.

فلقد استخدمت الحكومة التركية أحد هذه الأساليب، وهو السيطرة على مصادر الإعلانات التي تحصل عليها الصحف، في محاولة لخنق صحيفة بيرجون، وهي واحدة من عدد قليل من المنصات الإخبارية اليسارية المتبقية في البلاد.

في تركيا، تحصل الصحف على إعلانات حسب معدلات التوزيع التي تحققها وذلك من خلال وكالة تديرها الدولة.

الأسبوع الماضي، كشفت صحيفة بيرجون أن هذه الوكالة حرمت الصحيفة منع استلام إيرادات إعلاناتها لأربعة أشهر خلت متعللة بمبرر سخيف.

وتقول الوكالة إن صحيفة بيرجون لم تقدم مصادر موثوقة في قصصها الإخبارية، وهو شيء يتعارض كليا مع تقاليد صحفية عريقة يعلم بها العالم، لكن يبدو أنه لا يطبق في تركيا سوى على بيرجون.

يالها من طريقة فعالة لاستهداف الصحيفة، بما أن الكثير من الصحف المملوكة لأباطرة اقتصاديين يفضلون اليوم تغطيات يمدهم بها مصادر من الحكومة ذاتها.

والآن، أصبح على بيرجون الاعتماد على مصادر دخل محدودة دون انتظار إيرادات الإعلانات ذات الأهمية القصوى.

سيكون من العار أن تتأثر الصحيفة بمثل هذه الأمر، وهي التي يضم طاقمها التحريري خمسة صحفيين استقصائيين أظهروا قدرا كبيرا من الشجاعة في مقاومة الخط الحكومي حتى لو سبحوا ضد تيار الرأي العام.

لدينا مثال صريح في صحيفة حرييت، التي تحولت إلى مجلس تحرير قومي التوجه فتراجع تأثيرها كصحيفة ذات رأي.

هناك أيضا سوزجو، وهي منصة قراءة بالغة التأثير، لكننا وجدناها تظهر تأييدا كاملا للعملية العسكرية التي بدأها الجيش في أكتوبر الماضي.

على الجانب الآخر، نجد أن محرر النسخة الإلكترونية من بيرجون، هاكان ديمير، قد اعتقل في الشهر نفسه بسبب نشر مقال إخباري يتحدث عن الهجوم.

وتجري في الوقت الحالي تحقيقات بحق الصحفيين العاملين في الصحيفة بسبب قصص إخبارية نشرت قبل سنوات على حساب مجهول في منصات التواصل الاجتماعي سرّبت معلومات عن الحكومة.

سنحتاج للكثير من الوقت والمساحة لذكر أمثلة لا تنتهي عن قمع الحكومة لوسائل الإعلام في تركيا. ولعلنا رأينا أبلغ مثال على ذلك في مقابلة سويلو الإذاعية التي مرت دون أن يتمكن الصحفيون من معارضة كلماته على غرابتها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-media/interior-minister-decries-lack-quality-news-turkey-crushes-free-press
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.