يوميات مأساوية لراهبة تحرس كنيسة عمرها 15 قرنا في ماردين

فيردي غوكمن راهبة مسيحية آشورية تبلغ من العمر 63 عاما، وهي الراعية الوحيدة لدير مور ديميت، تلك الكنيسة التي يبلغ عمرها 1500 عام وتقع في مدينة ماردين في جنوب شرق تركيا.

وعلى الرغم من استمرار تعرضها للاعتداء والتهديد، تأبى الراهبة أن تغادر القرية أو الكنيسة التي عاشت بها 19 عاما. فبعد أن جاءت من السويد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لتستقر في قرية أسرتها التي تبعد مسافة نحو 20 كيلومترا، تطوعت الراهبة فيردي مع البابا يعقوب (رئيس الكنيسة السابق) للعمل على تنظيف الكنيسة التي لم تكن تعد في حالة ملائمة للعيش فيها منذ أن أُجبر معظم المسيحيين الآشوريين على الخروج من المنطقة.

تحدثت الراهبة فيردي إلى موقع "أحوال تركية" عن قدومها إلى الكنيسة أول مرة. فتقول: "طُردت أسرتي من القرية لتنتقل إلى العالم الخارجي. توجهت مع والدتي وأخوتي الخمسة إلى السويد. في الحقيقة، لم تعجبني حياتنا في أوروبا وأردت العودة إلى وطني".

وأضافت: "بعد خمس سنوات قضيتها في الخارج، قررت أن أعود إلى الوطن وأن أصبح راهبة. كرست حياتي للكنيسة، وجئت إلى هنا مع البابا يعقوب في العام 2001. حين قدمنا، كان القرويون يستخدمون بساتين التين والزيتون كدورات للمياه. كان الماء يتسرب من الأنابيب إلى مقابر القديسين. وكانت مياه المراحيض تدخل إلى الكنيسة".

وحين تُوفي البابا يعقوب في العام 2014، بقيت الراهبة فيردي في الكنيسة بمفردها، وبدأت حياتها كلها تتغير.

على مدى السنوات الخمس الأخيرة، واجهت فيردي ضغوطا متزايدة من السكان المحليين لمغاردة الكنيسة والقرية. وقالت: "المختار (زعيم القرية) وأشقاؤه هاجموا البابا يعقوب أربع مرات. في إحدى المرات اعترض عم المختار طريق البابا يعقوب قرب الكنيسة أثناء عودته إلى بيته من المستشفى – فقد كان البابا مريضا حينها. أمسك بالبابا وقال له ‘سأبرحك ضربا‘، وضربوه بالأيدي والعصي".

وقد التقت عائشة غونايسو من رابطة حقوق الإنسان التركية مع الراهبة فيردي ثلاث مرات، وعلى الرغم من التقارير التي صدرت بخصوص وضع الراهبة، لم يتغير أي شيء. وفي الواقع، لم يتغير شيء سوى أن زادت التهديدات.

أوضحت الراهبة فيردي قائلة: "ليست هناك حياة (بالنسبة لي)... وظيفتي الآن هي تدوين أرقام لوحات السيارات. في الأسبوع الماضي، جاءت سيارة بداخلها شخصان. طرقا الباب وهما يصيحان ‘افتحي الباب أيتها الكافرة!‘ ولم أفتحه. ذهبا يبحثان عن المختار وطلبا مني رقم هاتفي، وأبلغوه بأنني لن أفتح الباب. جاء المختار بعد 15 دقيقة. نادوا علي ولم أرد. كانوا يتساءلون ‘أهي صغيرة أم كبيرة في السن؟‘ فقال لهم المختار ‘هذا لا يهم – إنها مصدر إزعاج‘، فقالوا ‘أنت المختار- بإمكانك أن تطردها الآن إذا أردت".

تقول غونايسو إن المختار واحد من الأشخاص الذين يقفون وراء الاعتداءات؛ هناك آخرون يريدون إخلاء الكنيسة فقط للبحث عن كنوز. ثمة آشوريون آخرون في المنطقة كرروا هذه المزاعم. أبلغتنا غونايسو أن بعض أولئك الذين فعلوا ذلك لم تُحدد هويتهم، في حين يعمل آخرون مع المختار، وهو حارس من حراس القرية السابقين صادر منه أحد القضاة سلاحه.

في الوقت الذي كان فيه تنظيم داعش الإرهابي يكتسب نفوذا في المنطقة، وصلت جماعات إسلامية أخرى وهددت بقطع رأس الراهبة فيردي. وزادت كل هذه التهديدات بعد وفاة البابا يعقوب.

تقول فيردي: "قبل وفاته مباشرة، جاءت ثلاث سيارات ووقفت أمام الكنيسة. لم يستطع البابا النهوض من فراشه – فقد اشتد به المرض آنذاك. بعض الرجال خافوا من كلاب الحراسة. كنت أراقبهم من الحديقة. جميع الرجال كانوا يتحدثون التركية والكردية والعربية. سبّوني وقالوا لي "أيتها الكافرة! لماذا تبقين هنا؟" فأجبت قائلة "هذه أرضنا، وكنيستنا". وأمسكت بصخرة في يدي لحماية نفسي.

ذهبت الراهبة فيردي إلى المدعي العام المحلي لتقديم شكوى، وقال المدعي إن الكنيسة بحاجة إلى آلات تصوير وغيرها من أشكال الحماية.

وأضافت: "هؤلاء الأشخاص الذين يحركهم المختار بدأوا يتصلون على هاتفي طوال الوقت". "اتصلوا بي 18 مرة في ليلة واحدة. جاء اثنان منهم وقتلا كلابي بالرصاص. توجهت إلى الشرطة، وسألوني عن نوع السلاح المستخدم. فقلت متسائلة: "مدفع آلي، بندقية صيد، كيف لي أن أعرف؟". جاء المختار أيضا إلى مركز الشرطة وسأل عمن قام بذلك. فقلت: "أنت الذي فعلت ذلك. طلبت من الشرطة أن أجمع المقذوفات الفارغة من مكان الحادث والعودة مجددا، كما لو كانت تلك وظيفتي".

ذكرت الراهبة أن تسعة أو عشرة رجال ملتحين جاءوا بعد ذلك. كانوا يحملون مسابح طويلة ويرتدون سراويل فضفاضة. ذهبوا إلى المكان الذي كانت الكلاب تقف فيه وقالوا: "لقد قُتلت كلابك - فهل جئت بكلاب جديدة؟". ثم صاحوا قائلين: "الأرمن يعيشون هنا! كل ما فعلوه بنا، سنفعله بهم!". وبعد أيام قليلة، فتحت فيردي الباب وكانت هناك سيارة متوقفة وبداخلها شخص ما. فتقول: "كان واقفة على عتبة الباب مباشرة. انتابني خوف شديد من أن يخطفوني، فهرعت إلى الداخل".

وصفت غونايسو بعض الدعاية الأكثر سخافة التي نُشرت ضد الراهبة، بما في ذلك الادعاءات التي تزعم أنها واجهت الحرمان الكنسي وأنها تصنع النبيذ داخل الكنيسة وتجلب الرجال فيها. تحدثت غونايسو مع المختار الذي قال إنه ليس لديه أي مشاكل مع الراهبة وإنه يحاول مساعدتها. ولكن من ناحية أخرى، قال عنها أيضا أشياء مسيئة وأخرى تنطوي على التمييز الجنسي، وأشار إلى أن جميع مزاعمها عن الاعتداءات والتهديدات ما هي إلا أكاذيب.

في اليوم ذاته، تحدثت غونايسو مع قائد الشرطة، الذي ذكر أنه يعرف الراهبة جيدا وأنه على علم بشكاواها، وقال إنه يذهب لزيارتها بانتظام وإنها دائما ما تسعد برؤيته.

وعلى عكس المختار وغيره ممن تحدثت إليهم غونايسو، قال قائد الشرطة: "إنها امرأة وحيدة وفي وضع صعب. هي ضحية وتحتاج إلى المساعدة. ولربما أيضا تبالغ في مخاوفها، وعلينا أن نكون واعين لذلك".

عندما سألت غونايسو عن أمن الكنيسة، بما في ذلك الحاجة إلى تركيب آلات تصوير على الجدران الخارجية الأربعة، أكد لها القائد أنه سيتصل بإحدى الشركات لتركيبها.

ومع ذلك، وبعد مرور عام على وعوده، لم يتم بعد تركيب آلات التصوير، وبات من الواضح أنه لم يفعل شيئا لوقف المضايقات والاعتداءات التي تتعرض لها الراهبة فيردي أو لضمان سلامتها. وقال إنه يجب على الراهبة الاتصال بحرس القرية عندما يهددها أحد وليس به، لكن فيردي قالت إن حرس القرية جزء من المشكلة.

خلال زيارة غونايسو الأخيرة، وجدت الناشطة الحقوقية أن الراهبة تفتقر إلى بعض من أهم الخدمات الأساسية مثل المياه لأن الشاحنة التي تنقل المياه إلى القرية لا تأتي إلى الكنيسة في أغلب الأحيان، مما يعني أن الراهبة فيردي يمكن أن تقضي فترات طويلة بدون نقطة ماء.

تقول غونايسو: "كل شيء في هذا الوضع - سمات القرية والموقع النائي للكنيسة - يجعل الراهبة فيردي وحيدة وخائفة وتحت التهديد".

وأضافت: "لقد قررت سلطات الدولة التخلي عنها، ولكن يجب عليها أن تحميها. عندما هوجمت المعابد في إسطنبول، مُنحت حماية الشرطة. نفس الشيء يجب أن يحدث هنا".

لقراءة المقال باللغة الانكليزية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/turkey-minorities/assyrian-nun-valiantly-stands-guard-over-1500-year-old-church-turkeys-southeast