يوناني في جامعة تركية

التحقت بكلية روبرت ضمن جامعة بوغازجي في إسطنبول عندما كنت صبيا في سن الرابعة عشرة. كنت أكبر سنا من الطلاب الآخرين لأن المدارس الابتدائية اليونانية بها ستة مستويات وليس خمسة مثل المدارس الابتدائية التركية. تخرجت من الجامعة بعد 11 عاما، مهندسا مدنيا ورجلا متزوجا.

تعلمت في المدرسة الابتدائية أنني مواطن تركي، وعضو في الجمهورية التركية، متساو في الحقوق والواجبات مثل بقية مواطنيها. إذا سُئلت، فسأجيب بأنني تركي، وإذا سُئلت مرة أخرى، سأضيف أنني يوناني (أو رومي وفق التعبير التركي) أيضا، على الرغم من معرفتي بأن وضعي كان أكثر تعقيدا.

أحد المعلمين الذين أتذكرهم منذ سنواتي الأولى في كلية روبرت هو توران باي. في الأيام الأولى في الفصل عندما تحدثت باللغة التركية، شعر من لهجتي أنني "مختلف"، مما دفعه إلى سؤالي عن اسمي. قلت ميلس، وهو اسم لم يكن مميزا بما يكفي للكشف عن هويتي العرقية. لذلك سألني عن اسمي الأول. قلت هرقل، ولم يكن هذا كافيا أيضا. ثم نظر إلي في حيرة وسألني عن اسم والدي. قلت، "أنا رومي". كان اسم والدي نيكوس وكان هذا سيكون كافيا ليعرف خلفيتي. لذلك قررت الاعتراف.

باختصار، علمت أنني كنت مختلفا إلى حد ما منذ البداية. ما زلت أتذكر وجه توران باي الذي إحمر خجلا وقال إنه لم يقصد أن يطلب "ذلك". لكنني كنت واثقا من أنه كان يريد لمعرفة إثنيتي. بمرور الوقت، أصبحت معجبا بتوران بك كثيرا وقدّرت خجله عندما أجبت عن سؤاله. وأتساءل: كيف عرّف الطلاب اليونانيون في القرن التاسع عشر أنفسهم. هل اعتبروا أنفسهم عثمانيين أم يونانيين أو روما أم مسيحيين أرثوذكس؟ هل استخدموا مزيجا من هذه الهويات؟ أنا لا أستطيع الإجابة. ولا يمكنني أن أتحدث سوى عن نفسي.

لا يزال مصطلح "الروم" اليوم يعني "مسيحيا أرثوذكسيا مرتبطا ببطريركية إسطنبول"، ليس مؤمنا بالضرورة ولا ناطقا باليونانية. عرّفت الأقلية اليونانية في إسطنبول، كما هو الحال مع العديد من هذه المجموعات، نفسها بالطريقة التي نظرت إليها وعاملتها بها "الأغلبية" وليس من خلال بعض المعايير الموضوعية.

حسب سجلّ كلية روبرت لسنة 1965، بلغ عدد الطلاب اليونانيين في ذلك العام في الجامعة 20. وكانوا يشكلون 5 في المئة من طلاب كلية الهندسة و3.4 في المئة من طلاب كلية إدارة الأعمال والاقتصاد، وكلية العلوم واللغات مجتمعين. كانت النسب المئوية المقابلة للطلاب غير المسلمين الآخرين، أي الأرمن واليهود على النحو التالي: 44 طالبا في المجموع، و12 في المئة في الهندسة و6.3 بالمئة في المدارس الأخرى، أي ما يعادل 10 في المئة في المتوسط. ولا يزال اليونانيون وغير المسلمين يقدّمون نسبة "طبيعية" ومرتفعة إلى حد ما، مع اعتبار عددهم من إجمالي عدد سكان إسطنبول (حوالي 3 في المئة من اليونانيين، ونسبة مماثلة من الأرمن واليهود).

ومع ذلك، كان انخفاض نسبة اليونانيين في الأنشطة خارج المناهج هو الأمر المثير للاهتمام. فعند النظر في أعضاء النوادي، نرى مشاركة اليونانيين منخفضة بنسبة 2 في المئة. ونلاحظ سبعة يونانيين يشاركون في هذه الأنشطة، أربعة منهم كانوا في نادي التصوير الفوتوغرافي، حيث شكلوا غالبية النادي. إذا قررنا استبعاد هذا "النادي اليوناني"، فسنرى اندماج اليونانيين في النوادي ينخفض ​​إلى حوالي 1 في المئة. بعبارات أخرى، لم يكن اليونانيون في 1965 مجموعة نشطة في نوادي الكلية.

من بين الطلاب اليونانيين في الستينيات، كانت هناك فئتان في الجزء الجامعي من كلية روبرت: أولئك الذين التحقوا بالجامعة بعد أن تخرّجوا من المدرسة الثانوية اليونانية وأولئك الذين جاءوا من المدارس المتوسطة والثانوية في كلية روبرت، التي كانت المدرسة أميركية من وجهة نظر أكاديمية وتركية من وجهة نظر الطلاب. شعرت بالراحة مع المجموعتين لقدرتي على التكيف.

ضمنت كلية روبرت بتعليمها العالمي والديمقراطي وأجوائها ما لم تتمكن الدولة التركية من إدارته. قد يبدو هذا مفاجئا للبعض، لكن هذا المجتمع المفتوح هو الذي يضمن تربية المواطن الصالح والمخلص. عندما كنت طالبا، كنت في فريق الجامعة عدّاءً يمثل تركيا، وعضوا نشطا في حزب العمال التركي  وعضوا في مجلس الطلاب. بمعنى آخر، كنت مواطنا شارك في الشؤون الاجتماعية. كنت اليوناني الوحيد الذي شارك في الحركة اليسارية في البلاد بنشاط. أتذكر أن المجتمع اليوناني في إسطنبول لم يقدر أو يفهم دوافع مشاركتي في هذا المشروع "التركي". كانوا، على الأقل خلال تلك السنوات، منعزلين تحت سقفهم الثقافي والاجتماعي.

سارت عملية اندماجي ومشاركتي في البيئة الاجتماعية جنبا إلى جنب مع الحفاظ على هويتي العرقية والثقافية واحترام هويتي كعضو من الأقلية في كلية روبرت. كان المسيحيون، على سبيل المثال، الأكثر طبيعية، لأن أساتذتنا، أي أكثر الرجال والنساء احتراما في المؤسسة، كانوا من ديانة مختلفة في معظم الحالات. وكان احترام التعددية الثقافية النهج الطبيعي. وشهدنا قبول جميع الاختلافات: الاختلافات الفلسفية والدينية والأيديولوجية والتنوع. لم يُنظر إلى أي منها على أنها تحدّ وتهديد. كان فهم الآخر هو ما تعلمناه من اليوم الأول.

كان هذا غائبا في المجتمع التركي الأوسع وخارج الحرم الجامعي. في الخارج، كان هناك تمييز ضد الأقليات وانعدام الثقة والشك تجاه الآخر. عندما تخرجت وواجهت "الواقع التركي"، وخاصة ممارسات الدولة، كان علي اتخاذ بعض القرارات وإعادة النظر في مواقفي. ومع ذلك، ساعدتني 11 سنة من تعليمي على عدم التراجع إلى توجّهات مجموعة الأقلية المنغلقة. فقد كانت كلية روبرت هي البيئة التي نشأت فيها. وشكّلت شخصيتي التي ميّزت بقية حياتي في هذه المدرسة. وأعتقد أنني ما زلت عالميا. وليس بالمعنى العام في المجتمع التركي، وهو ازدرائي يشير إلى فقدان الهوية الثقافية، ولكن باعتباره صفة إيجابية.

في الختام ، أود أن أذكركم ببعض الفروق.

- بكلمة "اليونانية" في كلية روبرت قد يعني المرء أشياء مختلفة:

 أ) أبناء الأمة اليونانية.

ب) متحدّثو اليونانية أو المواطنون الأتراك المسيحيون (الروم).

- تعني كلمة "طالب":

 أ) طالب درس في هذه المدرسة لأي فترة زمنية.

ب) الطلاب الذين بلغوا سن الرشد في هذه المدرسة.

- بكلمة "التعليم" قد يعني المرء:

 أ) الحصول على التدريب في مهنة أو مهارة ما.

ب) النظرة العالمية أو الأسلوب في مواجهة العالم.

أخيرا، تسير المواطنة جنبا إلى جنب مع قبول الآخر. وإذا فشلت الدولة في تحقيق ذلك، فقد ينتهي الأمر بمضاعفة عدد الرعايا وليس المواطنين.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/bogazici-university/rum-robert-college-1955-1965
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.