زخم دبلوماسي أوروبي في ليبيا لكبح النفوذ التركي

 

طرابلس - تشهد ليبيا في الأسابيع الأخيرة توافد مسؤولين أوروبيين بعد نيل حكومة الوحدة ثقة البرلمان لقيادة البلاد حتى تنظيم انتخابات عامة نهاية ديسمبر، فيما يشير الزخم الدبلوماسي الأوروبي في الساحة الليبية إلى تحرك منسق لاستعادة زمام المبادرة بعد أن ترك الأوروبيون ليبيا لسنوات فريسة للفوضى والميليشيات والتدخل التركي عقب مشاركتهم في الحرب التي أطاحت بنظام القذافي.   

ويريد مسؤولو الاتحاد الأوروبي إحداث توازن في العلاقات بما يسمح بالحدّ من النفوذ التركي في ليبيا عسكريا وسياسيا مع الأخذ في الاعتبار أن تركيا أصبحت قوة وازنة في ليبيا بعد تدخلها العسكري وأن استمرار وجودها في الساحة الليبية سيكون له تأثير سلبي على معادلة التسوية السياسية ونجاح المرحلة الانتقالية.

وزار رئيسا الوزراء الإيطالي واليوناني ليبيا الثلاثاء، في إشارة جديدة على اهتمام أوروبا الكبير بالانفراج السياسي الذي يشهده البلد المجاور بعد عقد من الفوضى.

وبموازاة ذلك، طالب رئيسا المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي خلال زيارتهما إلى تركيا الثلاثاء بأن تظهر أنقرة رغبتها في التهدئة، لا سيما عبر سحب قواتها العسكرية من ليبيا وتسوية خلافاتها البحرية مع اليونان.

وكان رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي قد التقى في وقت سابق الثلاثاء مسؤولي السلطات الليبية الجديدة في طرابلس في أول زيارة خارجية له.

وقال المسؤول الإيطالي إن "الشرط الأساسي للقدرة على المضي قدما بشجاعة، هو أن يستمر وقف إطلاق النار ويتم التقيد به بدقة"، في إشارة إلى الاتفاق الموقع بين طرفي النزاع الليبي في أكتوبر 2020.

وفي ما يتعلق بملف الهجرة، أعرب دراغي عن "ارتياحه" لعمليات الإنقاذ الجارية قبالة ليبيا التي تمثل نقطة عبور مهمة لعشرات آلاف المهاجرين الذين يسعون كل عام للوصول من ليبيا إلى السواحل الإيطالية عبر المتوسط.

وإيطاليا المستعمر السابق، شريك تجاري مهم لليبيا لا سيما في مجال الطاقة مع وجود راسخ لشركة إيني الطاقية العملاقة في البلد الذي يحوي أكبر احتياطات نفطية في إفريقيا.

كما التقى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس السلطات الجديدة المكلفة بتوحيد مؤسسات الدولة بعد انقسامها بين حكومتين غريمتين في شرق البلاد وغربها.

وقال المسؤول اليوناني خلال مؤتمر صحافي مع رئيس الحكومة الليبي عبدالحميد دبيبة في العاصمة طرابلس، إن "التطورات التي حدثت على مدار العقد الماضي حدّت من علاقاتنا الاقتصادية، لكن وجود مستثمرين يونانيين في ليبيا لم ينقطع أبدا"، مضيفا "الآن مع استقرار الوضع، تجدّد الاهتمام".

وأعلن ميتسوتاكيس إعادة فتح سفارة بلاده في طرابلس و"ستليها إعادة فتح القنصلية اليونانية في بنغازي" (شرق).

وتمت أيضا مناقشة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية الليبية التي أغضبت اليونان والاتحاد الأوروبي نهاية عام 2019 لا سيما على ضوء مسألة احتياطيات الغاز في شرق المتوسط.

وأبرمت تركيا الاتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني السابقة التي دعمتها عسكريا لصدّ هجوم قوات المشير خليفة حفتر على طرابلس.

وقال ميتسوتاكيس في هذا الصدد إن "هذه الخطوة الجديدة في علاقاتنا ستصحح وتمحو الأخطاء التي حدثت في المرحلة السابقة"، طالبا "إلغاء الوثائق غير القانونية التي توصف بأنها اتفاقات بين الدول في حين ليس لها أي قيمة قانونية".

وردّ عبدالحميد دبيبة قائلا "نؤكد دائما على أهمية أي اتفاقية تساهم في وضع الحلول المناسبة وتحفظ حقوق ليبيا واليونان وتركيا".

وأضاف "كما أننا مستعدون لتشكيل لجان مشتركة بين ليبيا واليونان وتركيا لاستئناف المفاوضات بشأن ترسيم الحدود البحرية لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة لكلا البلدين بين جزيرة كريت وليبيا".

والتقى وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وإيطاليا السلطات الليبية الجديدة في طرابلس في 25 مارس في زيارة لإظهار دعم التطورات السياسية المنجزة.

وكان رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في طرابلس مطلع الأسبوع الجاري، حيث أعلن دعم الاتحاد الأوروبي للحكومة الجديدة. وأعلن غداة ذلك رئيس الوزراء المالطي روبرت أبيلا من طرابلس أن بلاده ستعيد فتح سفارتها في غضون أيام.

وتسعى ليبيا إلى تجاوز عقد سادته الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تشكّلت خلاله حكومتان ومليشيات وجرت أعمال عنف دموية شارك فيها مقاتلون أجانب وجماعات جهادية.

وتشكلت السلطة التنفيذية الجديدة وهي حكومة ومجلس رئاسي، ضمن مسار حوار سياسي رعته الأمم المتحدة بداية من فبراير/شباط 2020 وحتى نيل ثقة البرلمان في مارس/اذار.

وتواجه السلطات تحديات كبيرة بعد أربعة عقود من الحكم التسلطي وعقد من العنف تلا التدخل العسكري الدولي الذي قاده حلف شمال الأطلسي (الناتو) بين مارس وأكتوبر 2011.

وعلى الرغم من انتهاء القتال بين طرفي النزاع منتصف العام الماضي وصمود اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن هذا البلد الواقع في شمال إفريقيا لا تزال تقوضه صراعات نفوذ ووجود قوات أجنبية ومرتزقة تكرر السلطات الجديدة والأمم المتحدة وقوى دوليّة المطالبة بانسحابهم الفوري.

وتدفع دول الاتحاد الأوروبي لإنهاء الوجود العسكري التركي في ليبيا وكذلك سحب آلاف المرتزقة الذين جندتهم تركيا من فصائل سورية موالية لها ودفعت بهم للقتال دعما لحكومة الوفاق السابقة التي كافأت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن ضخت نحو 4 مليارات دولار كوديعة استثمارية في البنك المركزي التركي.

وكانت الاتفاقيات العسكرية والبحرية أيضا من المكافآت الأخرى التي حصلت عليها أنقرة من حكومة الوفاق السابقة التي قادها رجل الأعمال فايز السراج منذ مارس 2016 حتى مغادرتها قبل اسابيع قليلة مع نيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة دبيبة ثقة البرلمان.