زعم ترامب أن عداء تركيا مع الأكراد متأصل خاطئ وخطير

حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبرير قراره الانسحاب المفاجئ للقوات الأميركية من شمال سوريا الشهر الماضي بقوله إن الأتراك والأكراد يتقاتلون منذ قرون، لكن هذا الادعاء لا يثبت التاريخ صحته.

وكرر ترامب التأكيد على ذلك في اجتماع بالبيت الأبيض مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الأربعاء الماضي، وشكر نظيره على جهود تركيا في سوريا.

وقال ترامب "لقد مرت آلاف السنين في العملية بين الحدود، بين هذه البلدان والبلدان الأخرى وكنا نشارك على بعد 7000 ميل. لذلك، نريد أن نهتم بأمورنا".

لكن الخبراء يعارضون رأي الرئيس في الصراع.

وقالت جانيت كلاين، الخبيرة في شؤون كردستان إبان الإمبراطورية العثمانية والأستاذة المساعدة في التاريخ بجامعة أكرون "فكرة أن الأتراك والأكراد خاضوا صراعاً لعدة قرون فكرة لا تمت للتاريخ بصلة".

كان الهجوم التركي عبر الحدود في سوريا الشهر الماضي، والذي أعطاه ترامب الضوء الأخضر، بدافع واضح يتمثل في الرغبة في سحق حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض تمرداً للمطالبة بالحكم الذاتي في جنوب شرق تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية منذ عام 1984.

وترى الحكومة التركية أن القوات الكردية التي سيطرت على جزء كبير من شمال سوريا بعد اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011 فرع من حزب العمال الكردستاني وتشعر بالقلق من أن الحكم الذاتي الكردي في سوريا سيزيد من احتمال وجود كيان كردي انفصالي في تركيا.

ومع ذلك، فإن العلاقات بين الأتراك والأكراد ليست متجانسة أو غير قابلة للتسوية ولا متأصلة.

وقالت ليسيل هينتز، الخبيرة في سياسات الهوية التركية والأستاذة المساعدة في العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنز "ثمة خطر في تبسيط مجموعة متنوعة من الناس بشكل كبير من نفس المجموعة العرقية، وسط وجود اختلافات في اللغة والدين والطائفة والانتماء القبلي والأيديولوجية والتطلعات السياسية والاعتقاد باستخدام العنف كحل لمظالمهم".

تعود جذور الصراع الحالي إلى ما بعد زوال الإمبراطورية العثمانية وعملية تشكيل الدولة في تركيا الحديثة قبل أقل من قرن من الزمان.

يقول حقان أوز أوغلو، الخبير في القومية الكردية ومدير دراسات الشرق الأوسط بجامعة سنترال فلوريدا "في ظل الحكم العثماني، كانت هناك بعض الانتفاضات لشخصيات كردية محلية معروفة ضد السلطة المركزية، ومع ذلك، لم تكن الإثنية عاملاً محفزاً رئيساً كما هي اليوم. بشكل عام، لم يسمح النظام العثماني بظهور النزاعات العرقية لأن الإثنية لم تكن الهوية الأساسية للأفراد بل كان الدين".

وقالت كلاين "خلال الحرب العالمية الأولى، فضل معظم الأكراد البقاء في إمبراطورية سليمة مع مواطنيهم الأتراك، وإن كان بمستوى من الحكم الذاتي المحلي". وأردفت قائلة إن القوميين الأتراك، حتى قبل الحرب، شرعوا في "نبذ الأكراد باعتبارهم متخلفين وهمجيين ويحتاجون إلى التحضر".

بحثت بالفعل قوى ما بعد الحرب إنشاء دولة كردية مستقلة، ولكن في نهاية المطاف احتفظت تركيا المستقلة بشرق الأناضول وأدمجت بريطانيا محافظة الموصل في العراق.

وقالت كلاين "على الرغم من أن بعض الأكراد قاتلوا مع الكماليين، إلا أنهم بعد فترة وجيزة من تأسيس الجمهورية التركية وجدوا أن الدولة شرعت في حملة واسعة النطاق لقمع الهوية الكردية ومحوها والانخراط في عمليات نقل السكان لإضعاف الكثافة السكانية للأكراد وقمع القادة الأكراد وأفراد طائفتهم بعنف".

ومن ثم لم يقاتل الأكراد "الأتراك لمدة 300 عام"، كما زعم ترامب في اجتماع للحكومة في الحادي والعشرين من أكتوبر.

وقد تشكل حزب العمال الكردستاني في البداية عام 1978 رداً على حظر التعبير عن الهوية الكردية الذي فرضته الحكومات القومية التركية المتعاقبة في القرن العشرين.

وقالت هينتز إن حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان منذ أن جاء إلى السلطة في عام 2002 وسط "الترويج لهوية سنية وتقاليد السلطنة العثمانية، انتهى الخط الأحمر للهوية ضد الأكراد الذين يعبرون عن هويتهم علناً وسياسياً".

وساعد أيضاً حزب العدالة والتنمية حزب العمال الكردستاني بشكل ملموس من خلال تقويض المؤسسة العسكرية التركية، التي كانت ترى أن الإسلام السياسي والقومية الكردية يمثلان تهديدات للأمن القومي منذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923.

وقد تم التفاوض على وقف إطلاق النار في عام 2013 بين حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني، مما فتح الباب لتسوية سياسية، لكن عملية السلام انهارت في عام 2015. وقالت هينتز إن حصار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لكوباني في سوريا كان عاملاً أساسياً في الانهيار.

وقالت هينتز "أراد المواطنون الأكراد في تركيا من الحكومة الدفاع عن المدينة أو على الأقل أن تكون لديهم القدرة على السفر للدفاع عنها بأنفسهم". عندما رفض أردوغان، فقد الدعم الكردي لمشروعه الرئاسي.

ومن أجل الحفاظ على الهيمنة في البرلمان، تحول حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان إلى خطاب قومي للغاية، وبالتالي مناهض للأكراد، وبحلول أواخر يوليو 2015، كانت الحكومة تقصف حزب العمال الكردستاني مرة أخرى بعد إطلاق النار على اثنين من ضباط الأمن الأتراك.

وقالت هينتز "هكذا جرى التضحية بفرصة لم يسبق لها مثيل لحل الصراع الكردي في تركيا - وهي الفرصة التي نشأت بإزالة الخط الأحمر ضد التعبير السياسي عن الكردية - في جزء كبير منها على مذبح الطموح الرئاسي".

وفي حين يسعى ترامب إلى إرضاء طموح أردوغان وتبرير ترك القوات الكردية السورية معرضة للخطر أمام توغل تركيا في سوريا، فإن روايته التي تعلن عدم قابلية صراع تركيا والأكراد للتسوية داخل وخارج حدودها ليست خطأ فحسب، بل خطيرة أيضاً.

وقالت هينتز "إن وصف المجموعة بأنها كانت في حالة حرب طويلة مع كيان آخر يعمل على تطبيع الصراع وتبريره بأنه أمر لا مفر منه، ويتعامل مع ما تم من خلال العمليات السياسية على أنه متأصل".

تشير التطورات الإيجابية التي حدثت قبل عام 2015 إلى إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية تقلل من الصراع الحالي بين الأتراك والأكراد، بغض النظر عن ادعاءات ترامب الخاطئة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-kurds/trumps-claim-primordial-turkish-kurdish-enmity-false-and-dangerous
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.