زيادة القلق والاضطرابات النفسية في تركيا مع تراجع الحريّات

يقول خبراء إن عدداً متزايداً من الناس في تركيا يعانون من القلق والتوتر بسبب المناخ السياسي، والبطالة، والهجرة، والتراجع الاقتصادي. وتُظهر إحصاءات وزارة الصحة أن عدد من يحتاجون إلى مساعدة المتخصصين في مجال الصحة النفسية يصل إلى نحو تسعة ملايين شخص سنوياً، من أصل نحو 80 مليون نسمة.

ويضغط دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف – الشريك الأصغر في تحالف الحكومة – منذ العام الماضي من أجل مشروع قانون للصحة النفسية. ووفقاً لبيانات استند إليها بهجلي في يناير الماضي، فإن 17 في المئة من الأتراك يعانون من مشاكل تتعلق بالصحة النفسية، إذ يعاني 3.2 مليون شخص سنوياً من الاكتئاب، في الوقت الذي زاد فيه استهلاك مضادات الاكتئاب بنسبة 56 في المئة خلال خمس سنوات.

وهناك حالة استقطاب حاد في المجتمع التركي، الذي شهد في السنوات الخمس الأخيرة انتخابات لثماني مرات، ومحاولة انقلاب فاشلة، وتحولاً إلى نظام رئاسة تنفيذية، وانهيار عملية السلام مع المسلحين الأكراد، فضلاً عن موجة من الهجمات التفجيرية. وفي العام الماضي، عانى الناس للوفاء باحتياجاتهم الأساسية في ظل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة.

وقال مولود أولغين، رئيس الجمعية النفسية التركية في إزمير، إن الناس فقدوا الأمل في المستقبل وباتوا يعانون من الضبابية وعدم الوضوح.

أضاف أن "العيش في أجواء انتخابات لا تنتهي أبداً، وحالة اليأس التي تعاني منها الجماعات الحالمة بالتغيير، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية من أسباب الاضطرابات النفسية والقلق. وتُظهر الدراسات أن السنوات الأخيرة شهدت حالة من التشاؤم في المجتمع التركي على نطاق واسع".

وقال أحمد أوزجان، الخبير في الطب النفسي، إن الناس يعانون من عزلة اجتماعية بسبب الاستقطاب السياسي والعنف، وتبدو عليهم أعراض التوتر التي عادة ما تظهر بعد التعرض لصدمة شديدة.

أضاف "على سبيل المثال، المشكلة الأهم التي يعاني منها زبائني، والكثير من الناس في البلاد في رأيي، هي الشعور بآليات المراقبة التي تتبعها الدولة العميقة. نتيجة لذلك، يبدأ الناس في بناء سجنهم الذي يتقوقعون فيه، ويفرضون رقابة ذاتية على أنفسهم في كل مناحي الحياة، حيث يضعون حدوداً للتعبير عن آرائهم من تلقاء أنفسهم – احذف حسابك على فيسبوك، لا تُغرّد على تويتر، لا تنظر، لا تتكلم".

وقال أوزجان إن حالات زبائنه تختلف وفقاً لآرائهم السياسية. وأوضح قائلاً "لو تحدثت بشكل عام جداً، فهناك شعور بالهزيمة والفشل الذريع بين المنتمين لليسار. هؤلاء يلومون أنفسهم طوال الوقت؛ لكنني لا ألحظ هذا بين القوميين اليمينيين المتطرفين وغيرهم من المنتمين لليمين".

وتتهم الحكومة التركية حركة غولن الدينية بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016. ويقبع الكثير من أعضاء الحركة في السجون، أو يخضعون لمحاكمات. ويشكل هؤلاء الجزء الأكبر بين عشرات الآلاف من الذين فُصلوا من وظائفهم الحكومية خلال عامي تطبيق حكم الطوارئ في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة.

وزادت الحكومة العام الماضي نطاق التدقيق الأمني اللازم للتعيين في وظائف القطاع العام. ويتعين على الأشخاص الذين يخضعون لهذه الاستعلامات الأمنية تقديم الكثير من المعلومات، ليس عن أنفسهم فقط، ولكن عن أقاربهم أيضاً.

وقال أوزجان "لكن الأشخاص الذين يكونون في الموقف الأسوأ، هم الذين لا تربطهم صلة بأي منظمة أو جماعة دينية، وعلى الرغم من ذلك لا يتمكنون من اجتياز التدقيق الأمني بسبب علاقات أقاربهم. الكثير من هؤلاء يأتون إلى مكتبي وهم على وشك التخلص من حياتهم".

وقال شاب في السابعة والعشرين من عمره، بعد أن طلب عدم الكشف عن هويته، إنه ذهب إلى الطبيب النفسي لأول مرة بعد أن تعرض للاعتقال لفترة وجيزة خلال احتجاجات غيزي في عام 2013. وقد كانت تلك الاحتجاجات أكبر احتجاجات معارضة للحكومة في تركيا منذ أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002. وظل هذا الشاب يتلقى العلاج طوال الأشهر العشرة الأخيرة.

وأشار الشاب إلى أنه سافر إلى أوروبا لفترة وجيزة العام الماضي، فبدأ يعاني من جديد من نوبات الفزع التي كانت تصيبه. وعلل ذلك قائلاً "ربما تسلل لي إحساس سيء، بعد أن رأيت الاختلاف بين العالَمين".

أضاف أنه تحدث إلى طبيبه النفسي بشكل أساسي عن عنف الشرطة والاضطرابات التي يعاني منها المجتمع، قائلاً "أعتقد أن الأشخاص غير الأسوياء هم من لا يذهبون إلى الأطباء النفسيين. لقد أصبحت تركيا دولة الخوف".

وقُتل 109 أشخاص وأصيب 500 في تفجيرين انتحاريين استهدفا مسيرة سلمية في العاصمة أنقرة عام 2015. وقالت طالبة جامعية، طلبت أيضاً عدم نشر اسمها، إنها تعاني من نوبات هلع منذ ذلك الهجوم، وظلت تتلقى العلاج النفسي لثلاث سنوات، لكنها لا تعتقد أنه كاف.

أضافت "القلق الذي أعاني منه اليوم سببه حقيقة أن هذا البلد لا مستقبل لي فيه. طالما أننا لا نعيش في كهف، ونعيش في ظل هذه الظروف الاجتماعية، فأنا أعتقد أن الدعم النفسي لا يمكنه أن يفعل الكثير لعلاجنا.

"قابلت أصدقاء وعائلات أصدقائي في عيادة الطبيب النفسي. القاسم الوحيد المشترك بيننا هو أننا كان لنا نشاط سياسي في يوم من الأيام. لقد اعتدنا أن نرى بعضنا البعض في الشارع خلال المظاهرات، والآن نتقابل في ردهات عيادات الأطباء المعالِجين".

وقال أولغين إن تاريخ تركيا مليء بالصدمات والألم، وإن بعض المرضى كانوا يشكون من أن الظروف باتت الآن أسوأ مما كانت عليه إبان فترة الحكم العسكري التي أعقبت انقلاب عام 1980.

أضاف "يمكننا أن نرى تجدد الصدمة في هذه العبارات. نحن نعيش في بلد تُقيّد فيه الأنظمة القمعية حرية التعبير، بينما تظل آليات تحقيق العدالة معطَّلة. هذا يُحيي صدمات الماضي من جديد ويتسبب في صدمات جديدة، خاصة بين الشباب.

"على الرغم من استمرار الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، فإن بإمكاننا أن نظل نحتضن بعضنا البعض، ونسعى لمساعدة المحترفين، ونحاول التشبث بآمالنا".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/mental-health/anxiety-and-mental-health-issues-rise-turkey-freedoms-decline