زيادة أسعار الفائدة الأميركية يُهدّد تركيا بخروج رؤوس الأموال

 

واشنطن – يرى محللون اقتصاديون، أن أيّ زيادة جديدة في أسعار الفائدة الأميركية يمكن أن تسبب خروجا لرؤوس الأموال من الأسواق الناشئة وارتفاع تكلفة الاقتراض في هذه الأسواق، وسوف تأتي في وقت عصيب بالنسبة للاقتصادات الناشئة الرئيسية مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وتركيا.
وهذه الدول ليست فقط ما زالت في قبضة جائحة فيروس كورونا المستجد وركود اقتصادي عميق، ولكنها أيضا تُعاني، وبشكل خاص تركيا، من الاضطراب السياسي الذي يقلص فرص قدرتها على التعامل مع نقاط الضعف في المالية العامة في أي وقت قريب، وهذا ما لوحظ مؤخرا في تدخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السياسات المالية لبلاده وإقالة 3 محافظين للبنك المركزي التركي في نحو عامين.
ويرى خبراء صندوق النقد الدولي أن نمو الاقتصاد الأميركي بأسرع من التوقعات يوفر أساسا جيدا لنمو الاقتصادات الناشئة. وهم ينظرون بتفاؤل إلى آفاق هذه الأسواق، في الوقت الذي يرتفع فيه العائد على سندات الخزانة الأميركية بسرعة وتخرج فيه رؤوس الأموال من الأسواق الصاعدة متجهة نحو الاستثمار في الأصول المالية الأميركية.
لكنّ الباحث المقيم في معهد أمريكان إنتربرايز الأميركي ديزموند لاشمان، يقول إن تقديرات خبراء الصندوق تبدو مثيرة للدهشة في ضوء ضعف حالة اقتصادات الأسواق الناشئة الرئيسية في ظل خروج رؤوس الأموال منها بقوة، وبخاصة في ظل تدهور أوضاع المالية العامة بها إلى مستويات لم تحدث من قبل مع ارتفاع معدلات الدين العام لديها إلى مستويات غير مسبوقة.
ففي أحدث توقعاته الاقتصادية ذكر صندوق النقد الدولي أنه يتوقع نمو الاقتصادات الناشئة خلال العام الحالي بنسبة تصل إلى 33ر6% ثم بنسبة 5% خلال العام المقبل. هذا النمو المتوقع ستقوده بشكل عام منطقة آسيا والصين والهند بشكل خاص. في الوقت نفسه يتوقع صندوق النقد انتعاش اقتصادات دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا المثقلة بالديون، بمعدل أسرع من توقعاته السابقة.
وفي التحليل الذي نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية، قال لاشمان النائب السابق لإدارة سياسات التنمية والمراجعة في صندوق النقد الدولي إن العامل الأساسي وراء النظرة المستقبلية الوردية لصندوق النقد بالنسبة للأسواق الناشئة، هو التحسن الكبير في توقعات نمو الاقتصاد الأميركي.
فنتيجة حزمة التحفيز الاقتصادي الضخمة التي أقرتها إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن والكونجرس والتقدم الكبير في توزيع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا المستجد، يتوقع الصندوق نمو الاقتصاد الأميركي بمعدل 5ر6% خلال العام الحالي ثم بمعدل 5ر3% خلال العام المقبل. ومن المنتظر أن يكون لهذا الأداء القوي للاقتصاد الأميركي، تأثيراته الإيجابية على اقتصادات الأسواق الناشئة، مع ارتفاع أسعار السلع وتحسن آفاق السوق الأميركية للصادرات من باقي دول العالم.
والمثير للدهشة أن صندوق النقد الدولي، في عرضه لتوقعاته الاقتصادية المتفائلة للأسواق الناشئة، يغض الطرف عن حقيقة أنه بعد سنوات عديدة من السياسة النقدية الأميركية فائقة المرونة، أصبحت اقتصادات الأسواق الناشئة معرضة بشدة للتوقف المفاجئ لتدفق رؤوس الأموال.
ويقول لاشمان إن السياسات النقدية فائقة المرونة لمجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الأميركي على مدى السنوات الماضية دفعت المستثمرين إلى التحول نحو الدول الناشئة التي وفرت عائدات أعلى على القروض، فتوسعت تلك الأسواق في الاقتراض وسمحت لماليتها العامة بالتدهور في ظل سهولة الحصول على التمويل والقروض من أسواق المال.
والأكثر إثارة للدهشة أنه في وقت يرتفع فيه العائد على سندات الخزانة الأمريكية طويلة المدى، يبدو صندوق النقد مبالغا في التفاؤل بشأن النمو الاقتصادي المفرط للولايات المتحدة، وحدوث دورة جديدة من التضخم المرتفع.
وفي حين تطبق الولايات المتحدة الآن ميزانية تحفيز ضخمة تمثل حوالي 13% من إجمالي الناتج المحلي للعام الحالي وتعتبر أكبر ميزانية تحفيز في زمن السلم في تاريخ الولايات المتحدة، فإن الاقتصاد الأمريكي الأن يتعافى بوتيرة سريعة، رغم أن الجزء الأكبر من الطلب الاستهلاكي في الولايات المتحدة مازال مكبوتا نتيجة تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد.
وهنا يظهر سؤال مهم. إذا كانت أزمات الديون والعملة لدول آسيا وأمريكا اللاتينية قد سببت في الماضي صدمات لأسواق المال العالمية، فلماذا لم نرَ هذا الأمر الآن في ظل أزمة ديون الأسواق الناشئة والناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية؟ والآن تمثل الأسواق الناشئة حوالي نصف الاقتصاد العالمي ولم تكن قبل اليوم تعاني من تراكم الديون ولا الاضطرابات الاقتصادية التي تواجهها اليوم.